فهرس الكتاب
صالحا, فلم يبدّل ولم يغير, حتى توفي على ذلك, فله ثواب عمله وأجره عند ربه, كما وصف جل ثناؤه.
فإن قال قائل: وكيف قال: فلهم أجرهم عند ربهم, وإنما لفظ من لفظ واحد, والفعل معه موحد؟ قيل: «مَنْ» وإن كان الذي يليه من الفعل موحدا, فإن له معنى الواحد والاثنين والجمع والتذكير والتأنيث, لأنه في كل هذه الأحوال على هيئة واحدة وصورة واحدة لا يتغير, فالعرب توحد معه الفعل وإن كان في معنى جمع للفظه, وتجمع أخرى معه الفعل لمعناه, كما قال جل ثناؤه: ومِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ أفأنْتَ تُسْمع الصّمّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُون ومِنهم مَنْ يَنْظُرُ إلَيْكَ أفأنْتَ تَهْدِي العُمْي وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ فجمع مرة مع من الفعل لمعناه, ووحد أخرى معه الفعل لأنه في لفظ الواحد, كما قال الشاعر:
ألِمّا بسَلْمَى عَنْكما إنْ عَرَضْتُماوَقُولا لَهَا عُوجي على مَنْ تَخَلّفُوا
فقال: تخلفوا, وجعل «من» بمنزلة الذين. وقال الفرزدق:
تَعالَ فإنْ عاهَدْتَنِي لا تخُونُنِينَكُنْ مِثْل مَنْ يا ذِئبُ يَصْطَحِبانِ
فثنى يصطحبان لمعنى «من» . فكذلك قوله: مَنْ آمَنَ باللّهِ واليَوْمِ الاَخِرِ فَلَهُمْ أجْرُهُمْ عِنْدَ ربّهِمْ وحد آمن وعمل صالحا للفظ من, وجمع ذكرهم في قوله: فَلَهُمْ أجْرُهُمْ لمعناه, لأنه في معنى جمع.
وأما قوله: ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُون فإنه يعني به جل ذكره: ولا خوف عليهم فيما قدموا عليه من أهوال القيامة, ولا هم يحزنون على ما خلفوا وراءهم من الدنيا وعيشها عند معاينتهم ما أعدّ الله لهم من الثواب والنعيم المقيم عنده.
ذكر من قال عُنِي بقوله: مَنْ آمَنَ باللّهِ: مؤمنوا أهل الكتاب الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
وكان إيمان اليهود أنه من تمسك بالتوراة وسنة موسى حتى جاء عيسى, فلما جاء عيسى كان من تمسك بالتوراة وأخذ بسنة موسى فلم يدعها ولم يتبع عيسى كان هالكا. وإيمان النصارى أنه من تمسك