فهرس الكتاب
وأمّا التَرَنُّم فلَو كانت العِلّة فيه صَحيحة لكان الخَرم غَيرَ أوَّلٍ أيضا؛ لأنّ التَرَنُّم لَيست الأواخِرُ فيه بمَخصوصة دون الأوائل والثواني والثوالِث، وهو أنّ أوَّلَ البَيت ابتِداءُ الوَزن ولا يقبُح في السَمع النَقصُ فيه لأنّه لمَ يستَمِرّ على استِماع الأجزاء [1] [206] ، ولهذا وقعَت الزِيادة في أوَّل الطَويل أيضا. وتُسَمّى الزِيادةُ الخَزمَ؛ فالخَزمُ أن تُزادَ حُروفُ العَطفِ أوّلًا وحُروفُ الاستِفهام. ونحن نُبَيِّنه في مَوضِع نَجمَع فيه العِلَل [2] [207] .
واعلَم أنّ الزِحاف إنَّما يقَع في الأسباب خاصّة، والسَبَبُ قد تقَدَّم قَولُنا فيه أنّه ما كان على حَرفَين: مُتَحَرِّكٍ وساكِنٍ. فإذا حَذَفتَ مِن السَبَب اعتَمَدَ على الوَتَد، ولَو حَذَفتَ مِن الوَتَد لَم يكُن له ما يعتَمِدُ عليه. وهذا الذي وَصَفنا إجماعٌ من العَروضيّين، وكذلك وُجِد في كَلام العَرَب؛ وإنَّما القَصد في العَروض أنَّه إنَّما جُمِع ليُعلَم به مَذهب العَرَب في أشعارها.
واعلَم أنّ الياء تُعاقِب النون في (مَفاعيلُن) ، ومَعنى المُعاقَبة أنّ الحَذف يجوز في الياءِ في (مَفاعيلُن) والنونِ، إلا أن تأويل المُعاقَبة أنّ الحَرفين لا يجتَمِعان في الحَذف. وإنَّما لم يجتَمِعا لأنَّه لَيس بَعده وَتِد يعتَمِد عَلَيه السَبَبان في حَذفِهما. فإن حُذِفَت النون صار الجُزء (مَفاعيلُ) وهوَ المَكفوف، وإن حُذِفَت الياء صار الجُزء (مفاعِلُن) وهو المَقبوض، ولا يجتَمِع الكَفّ والقَبض في جُزء واحِد. وكُلّ جُزء يجوز فيه الزِحاف فيسلَم من
(1) في الغامزة: 118 عن ابن بَرّي قال:"وذهب الزجاج إلى أن مسوغ دخول الخرم في أول البيت هو أن أول البيت مفتتح الوزن، فنطق به الشاعر كيف اتفق ولا يشعر بمراده من الوزن إلا بعد ذلك."والملاحظ أنه تصرف في النقل وأخذ بالمعنى فقط.
(2) لم نجد الموضع الذي جمع فيه الزجاج العلل، ولا شك أنه مما أخل به الناسخ فأسقط الباب الذي أورد فيه كلامه عن الخزم. وقد رأينا هذا الباب مستقلا بنفسه عند أبي الحسن العروضي في الجامع: 181 - 183، ولا يخفى اعتماده فيه على كتاب أستاذه. وفي المحكم 5/ 66 نقل ابن سيده كثيرا من كلام الزجاج في الخزم، وعنه نقل ابن منظور في اللسان (خزم) ، كما نقل ابن رشيق عن الزجاج بعضا من ذلك في العمدة: 1/ 141، 142. وجاء في حاشية إحدى نسخ القسطاس بتحقيق د. فخر الدين قباوة (ص 62 هامش 1) اقتباس من كتاب العروض في الخزم يبدو لي كأنه اقتطع من المحكم.