فهرس الكتاب
وإفراغ فلسطين من كل سكانها او معظمهم (أي تغييبهم) هو أحد ثوابت الفكر الصهيوني، وهو عنصر متضمّن بشكل صامت في الصيغة الصهيونية الأساسية. وهذا امر منطقي ومفهوم، إذ لو تم الاستيلاء على الأرض وبقي سكانها عليها لأصبح تأسيس الدولة الوظيفية مستحيلًا، ولتم تأسيس دولة عادية تمثّل مصالح سكانها بدرجات متفاوتة من العدل والظلم. فيهودية الدولة (مع افتراض تغييب السكان الاصليين) هو ضمان وظيفيتها وعمالتها.
ومن هنا، كان اختفاء العرب حتميًا، ومن هنا كانت الصفة الأساسية للاستعمار والاستيطان الصهيوني وهي كونه استعمارًا احلاليًا، فصهيونيته تكمن في احلاليته، كما ان احلاليته هي التعبير الحتمي عن صهيونيته (ويهوديته المزعومة) .
ورغم أن رصد مقولة (العربي الغائب) وتوثيقها أمر بالغ الصعوبة لأن ما هو غائب لا يمكن رصده وتوثيقه بالطريقة التقليدية التي تعتمد على الاقتباسات والنصوص وتحليلها. ومع هذا، فإن هناك عددًا كبيرًا من التصريحات والمفاهيم الصهيونية لا يمكن فهمها إلا في اطار مقولة (العربي الغائب) . ويمكن ان يندرج تحت هذا كل ذلك الحديث المستفيض عن الأرض المقدسة وإرتس يسرائيل وصهيون وأرض الميعاد، فهو حديث يستند في نهاية الأمر الى افتراض غياب فلسطين العربية. والحديث عن استيطان المهاجرين من روسيا القيصرية باعتبارها (عاليا) ، أي (صعود) ، والحديث عنهم باعتبارهم (معبيليم) ، أي يهود يدخلون فلسطين كما دخلها العبرانيون القدامى رغم كل الصعاب والعوائق، هو أيضًا حديث يفترض غياب العرب وغياب تاريخهم. بل إنه يمكن القول بأن المصطلح الصهيوني ككل (نفي، عودة، تجميع المنفيين … الخ) يفترض هذا اليهودي الخالص الذي يفترض بدوره العربي الغائب. وقراءة أي نص صهيوني وفهم أي برنامج صهيوني امر صعب جدًا، إن لم يكن مستحيلًا، من دون افتراض مقولة العربي الغائب كمثل أعلى ونقطة تحقق للاستعمار الاستيطاني الاحلالي الصهيوني.
الفصل السادس