فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 413

1ـ جوهر الاسطورة، أية اسطورة، هو الغاء الزمان او تجميده والانفصال عن المكان، وعرّف عالم الانثرويولوجيا الفرنسي كلود ليفي شتراوس الاسطورة بأنها آلة لكبح جماح الزمان. هذا الاتجاه يأخذ شكلًا متطرفًا في حالة اسطورة الاستعمار الاستيطاني بشكل عام، فهو ينطلق من الإنكار الكامل للتاريخ بشكل متطرف، وإعلان نهايته. ولكن يزداد الإنكار حدة وعنفًا في حالة المجتمعات الاستيطانية الإحلالية، التي لابد أن تغيّب السكان الأصليين تماما. ونقطة البداية عند المستوطنين البيض المهاجرين من العالم الغربي هي عادة رفض تاريخ بلادهم الأصلية، باعتباره تاريخ (اضطهاد وكفر) وفساد. ويحاول المهاجرون أن يضعوا (حلًا نهائيًا) لمشاكلهم وأن يبدأوا من نقطة الصفر الفردوسية في الأرض الجديدة. ومع هذا عادة ما يتباهى هؤلاء المستوطنون بانتمائهم للعالم الغربي الذي لفظهم.

ويتضح هذا الجانب في أسطورة الاستيطان الصهيونية التي تبدأ برفض تاريخ اليهود في المنفى (وضمن ذلك العالم الغربي) . ثم تطرح الصهيونية الحل النهائي: الاستيطان في صهيون باعتباره نقطة البداية والصفر. ومع هذا لا يكف الصهاينة عن الحديث عن دولتهم باعتبارها واحة الديموقراطية الغربية في الشرق وقاعدة الحضارة الغربية فيه.

2ـ ينكر المستوطنون البيض تاريخ السكان الأصليين في الأرض التي سيهاجرون اليها ويستوطنون فيها. فهي عادة ـ حسب ادعائهم ـ أرض عذراء بلا تاريخ، غير مأهولة بالبشر (أرض بلا شعب) ، على عكس الأرض التي يأتي منها المستوطنون، فهي مكتظة بالسكان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت