فهرس الكتاب
ومرة أخرى نجد ان اسطورة الاستيطان الصهيونية تعبر عن هذا بشكل متبلور، إذ يزعم الصهاينة أن فلسطين هي اسرائيل او صهيون، وأن تاريخها قد توقف تمامًا برحيل اليهود عنها. بل إن تاريخ اليهود انفسهم قد توقّف هو الآخر برحيلهم عنها، ولن يستأنف هذا التاريخ إلا بعودتهم اليها، ولكنه تاريخ جديد خال من الاضطهاد والصراع، فهو أقرب الى التاريخ المقدّس.
3ـ لا تؤكد اسطورة الاستيطان الغربية نهاية التاريخ وحسب وإنما نهاية الجغرافيا كذلك، فالأرض التي يستوطن فيها الإنسان الأبيض هي أرض وحسب، ليس لها حدود واضحة، ولذا فهي تتسع حسب قوة الإنسان الأبيض الذاتية، كلما زاد عدد المستوطنين وازدادوا قوة اتسعت الحدود. ومن هنا فكرة الرائد والجبهة المتسعة دائمًا. والرائد هو الذي يرتاد ارضًا جديدة دائمًا، لا يعرف حدودًا ولا قيودًا ولا سدود. وارتباط نهاية التاريخ بنهاية الجغرافيا أمر متوقّع، ففكرة الحدود فكرة إنسانية حضارية غير طبيعية، اما عالم الطبيعة فلا يعرف الإنسان، ومن ثم فهو لا يعرف الحدود.
وأسطورة الاستيطان الصهيونية هي أسطورة التوسع بالدرجة الأولى، فإرتس يسرائيل ليس لها حدود واضحة، فالعهد القديم يحتوي أكثر من خريطة. والمستوطنون الصهاينة اطلقوا على أنفسهم مصطلح (حالوتسيم) ، أي (رواد) .
4ـ إذا حدث أن كانت (الأرض العذراء) مأهولة بالسكان فإن اسطورة الاستيطان الغربية تحاول تهميشهم، فهم قليلو العدد متخلفون يفتقرون الى الفنون والعلوم والمهارات المختلفة، يهملون الثروات الطبيعية الكامنة في الأرض. وهم عادة مجرد رحالة لا يستقرون في أرض ما، وهم شعب لا تاريخ له، فأعضاؤه جزء لا يتجزأ من الطبيعة (كالثعالب والذئاب) ومن ثم لا حقوق لهم. لكل هذا فإن وجود مثل هؤلاء الناس هو وجود عرضي ومن الضروري وضع حل جذري ونهائي للمشكلة الديموغرافية، أي مشكلة وجود السكان الأصليين في الأرض العذراء، وضرورة اجتثاث شأفتهم تمامًا.