فهرس الكتاب
وهناك نمط ثان من الصهاينة أدرك طبيعة المقاومة العربية ولكنه لم يطرح رؤيته الصهيونية جانبًا، وبذل محاولات يائسة لاعادة صياغة المشروع الصهيوني بطريقة تستوعب وجود العربي الحقيقي وتأخذه في الحسبان. ولكن من الملاحظ ان مثل هذه الشخصيات تحولت بالتدريج الى شخصيات مبهمة وهامشية، ومن وجهة نظر الصهيونية، تنتمي الى منظمات هامشية وتدافع عن رؤى هامشية لا تؤثر في المركز او الممارسات الاساسية. ولعل سيرة يتسحاق ابشتاين المسئول الصهيوني عن الاستيطان (1862 ـ 1943) وآرثر روبين وغيرهما خير دليل على ذلك. فهؤلاء الصهاينة، نظرًا لاحتكاكهم الدائم بالواقع العربي، أدركوا مدى تركيبية الموقف فطرحوا صيغًا مركبة نوعًا مثل الدولة ثنائية القومية وطالبوا بالتعاون مع الحركة القومية العربية وأسسوا جمعية بريت شالوم ثم جمعية ايحود لاجراء حوار مع العرب يعترف بهم ككيان قومي ولا يتعامل معهم كمجرد مخلوقات اقتصادية. ولكن المحاولات كلها ظلت في نهاية الامر تعبيرًا عن ضمير معذب اكثر من كونها ممارسات حقيقية. ولعل يهودا ماجنيس (1877 ـ 1948) من أكثر الشخصيات المأساوية في تاريخ الصراع العربي الصهيوني، فهذا الرئيس السابق للجامعة العبرية، واليهودي الاصلاحي، أدرك الخلل العميق في وعد بلفور منذ البداية بانكاره وتغييبه للعرب، وادرك مدى عمق الصراع المحتمل بين المستوطنين الصهاينة والعرب، ولذا قضى حياته كلها يحاول ان يصل الى صيغة صهيونية تنيرها لحظة الادراك النادرة دون جدوى. وانتهى به الامر ان تنكر له مجل الجامعة العربية التي كان يترأسها.