فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 413

ويمكن ان نذكر في هذا السياق آحاد هعام الذي رأى الدماء العربية النازفة فولول وكأنه أحد انبياء العهد القديم، يستمطر اللعنات على شعبه لما اقترف من آثام، ومع هذا نجده بعد ذلك في لندن مستشارًا لحاييم وايزمان، في الفترة التي سبقت إصدار وعد بلفور، يدلي له بالنصيحة بشأن كيفية الاستيلاء على فلسطين، ولا يذكره من قريب او بعيد بالمقاومة العربية ـ او الدماء النازفة. وينتهي به المطاف ان يستقر هو نفسه على الارض الفلسطينية، بكل ما يحمل ذلك من معاني اغتصاب وقهر. ولكنه حتى وهو في فلسطين، بعد وعد بلفور، ظلت تخامره الشكوك بشأن المشروع الصهيوني وظل موقفه مبهمًا حتى النهاية.

وهناك اخيرًا النمط الثالث، وهو أكثر الأنماط شيوعًا وهو النمط الذي يؤدي ادراكه لحقيقة المشروع الصهيوني وأبعاد المقاومة العربية الى مزيد من الشراسة الصهيونية. ولنضرب مثلًا على هذا النمط الصهيوني بفلاديمير جابوتنسكي ـ زعيم الحركة الصهيونية التصحيحية ـ الذي أدرك منذ البداية أن الصراع بين الصهيونية كحركة استيطانية مغتصبة للأرض والعرب أمر حتمي، فلم يختبئ وراء السحابة الكثيفة من الاعتذاريات الصهيونية عن الحقوق اليهودية الأزلية، ولم يختبئ وراء الحجج الليبرالية عن شراء فلسطين، او الحجج الاشتراكية عن رجعية القومية العربية وخلافه من الاستراتيجيات الادراكية، وإنما أكد دون مواربة أن الصهيونية جزء من التشكيل الاستعماري الغربي الذي لم يكن بمقدوره أن يحقق انتشاره إلا بحد السيف، ولذلك طالب منذ البداية بتسليح المستوطنين الصهاينة ( تمامًا مثلما يتسلح المستوطنون الاوروبيون في كينيا وفي كل مكان) ، أي طالب بتعديل موازين القوى بطريقة تخدم التحيز الصهيوني. فالعرب ـ حسبما صرّح ـ لن يقبلوا الصهيونية (وتحيزاتها ورؤيتها) إلا إذا وجدوا انفسهم في مواجهة حائط حديدي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت