فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 413

وغني عن القول أن العنف الصهيوني الإدراكي يصل الى ذروته في إدراك العرب والتاريخ العربي، إذ يحاول الصهاينة، بسبب مشروعهم الإبادي الاحلالي، أن يلتزموا الصمت تمامًا تجاهه، فلا يذكرونه من قريب او بعيد. او أن يغمغموا بأصوات ليبرالية تخبئ الحد الأقصى من العنف. فحينما اكتشف أحد الزعماء الصهاينة في المؤتمر الصهيوني الأول (1897) أن فلسطين ليست ارضًا بلا شعب كما كان الادعاء، جرى الى هرتزل وأخبره باكتشافه، فهدأ الأخير من روعه وقال له إن الأمر ستتم تسويته فيما بعد. وكان هرتزل يعرف تمامًا كيف كانت تتم تسوية مثل هذه الأمور على الطريقة الامبريالية، ونحن نعرف كيف تمت تسويتها في فلسطين. وعلى كل فإن الحديث الصهيوني المستمر عن السيف كمحرك للتاريخ ليس تعبيرًا عن رغبة الصهاينة في ممارسة رياضة محببة لبعض النفوس وإنما هو تعبير عن برنامج محدد لتغيير الواقع.

ويعد هذا العنف الإدراكي لبنة أساسية في التصور الصهيوني للذات والواقع والتاريخ والآخر، وقد يعبّر العنف عن نفسه بطريقة مباشرة، كما أنه قد يعبّر عن نفسه بطريقة غير مباشرة عن طريق عشرات القوانين والمؤسسات. وما قانون العودة الاسرائيلي إلا ترجمة لهذا العنف حين يُعطي أي يهودي في العالم حق (العودة) الى اسرائيل في أي وقت شاء وينكر هذا الحق على ملايين الفلسطينيين الذين طردوا من فلسطين على دفعات منذ عام 1948، رغم أن يهود العالم لا يودون الهجرة الى اسرائيل بينما يقرع الفلسطينيون أبوابها. ولكنها الرؤية المعرفية العلمانية الامبريالية التي تحوسل كل البشر (العرب واليهود) والزمان (تواريخ الجماعات اليهودية وتاريخ فلسطين) والمكان (فلسطين) . وما الإرهاب الصهيوني الذي لم يهدأ إلا تعبيرًا عن رؤية الصهاينة التي تحاول أن تصل الى نهاية التاريخ: نهاية تاريخ الجماعات اليهودية في العالم، ونهاية التاريخ العربي في فلسطين.

تحديث الشخصية اليهودية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت