فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 413

إن انتقال (هجرة) من وطن الى أي مكان آخر عملية بالغة القسوة، فعلى هذا الإنسان ان يقتلع نفسه من جذورها ويستقر في مكان آخر، ويغير نمط حياته، بل ومنظومته القيمية احيانًا. وعملية نقل الإنسان قسرًا (تهجير او ترانسفير Transfer) مسألة وحشية. ومع هذا، يمكن القول بأن الحضارة الغربية الحديثة حضارة توجد داخلها امكانية كامنة للهجرة والتهجير، فهي حضارة الترانسفير المستمر: أن ينتقل الإنسان بنفسه دائمًا، ويقوم بنقل الآخرين. (أنظر الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ) حيث نذهب الى ان الترانسفير لم يعد ضرورة استعمارية وحسب وإنما اصبح بعدًا اصليًا مرتبطًا تمام الارتباط برؤية الإنسان الغربي لنفسه وللآخر.

والحضارة الغربية الحديثة بعقلانيتها المادية وعلمانيتها الشاملة تنظر لأعضاء الجماعات اليهودية باعتبارهم مادة بشرية تنقل وتوظف، لا يختلفون عن أية مادة بشرية أخرى. ومع هذا، فإن ثمة عناصر خاصة بالجماعات اليهودية جعلتهم عرضة للنقل (الترانسفير) اكثر من غيرهم من العناصر البشرية، يمكن تلخيصها فيما يلي:

1ـ حلت اوروبا مشكلة اعضاء الجماعات اليهودية منذ العصور الوسطى عن طريق طرد اليهود من انجلترا ثم فرنسا فإيطاليا فألمانيا الى أن استقر بهم المقام في بولندا وروسيا. وقد كانت عملية الطرد تتم في إطار أنهم جماعة وظيفية حركية يمكن توظيفها في أي مكان، فالجماعة الوظيفية لا ترتبط بوطن وإنما بوظيفية. وحينما بدأت الحركة الاستعمارية الاستيطانية الغربية أصبح يهود اوروبا جزءًا لا يتجزأ منها، وتوجهت حركة الهجرة اليهودية حيثما توجه الاستعمار الاستيطاني الغربي. وهذا يعود بطبيعة الحال الى أن اليهود اعضاء في جماعة وظيفية تتسم بالحركية وينظر لها المجتمع نظرة محايدة، فهي جزء يوظف وموضوع يستخدم. ولذا، حينما تعثّر التحديث في روسيا وشرق اوروبا، طرحت فكرة تهجير اليهود ونقلهم كحل للمسألة اليهودية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت