فهرس الكتاب
الرابع: أن يكون قلبه بعد الإفطار معلقًا مضطربًا بين الخوف والرجاء؛ إذ ليس يدرى أيقبل صومه فهو من المقربين، أو يرد عليه فهو من الممقوتين، وليكن كذلك في آخر كل عبادة يفرغ منها، فقد روي عن الحسن البصري أنه مر بقوم وهم يضحكون، فقال:"إن الله عز وجل جعل شهر رمضان مضمارًا لخلقه يستبقون فيه لطاعته، فسبق قوم ففازوا، وتخلف أقوام فخابوا، فالعجب كل العجب للضاحك اللاعب في اليوم الذي فاز فيه السابقون وخاب فيه المبطلون، أما والله لو كشف الغطاء لاشتغل المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته"أي كان سرور المقبول يشغله عن اللعب، وحسرة المردود تسد عليه باب الضحك، وعن الأحنف بن قيس أنه قيل له: إنك شيخ كبير، وإن الصيام يضعفك، فقال: إني أعده لسفر طويل، والصبر على طاعة الله سبحانه أهون من الصبر على عذابه (27) .
وقيل لأبي مسلم الخولاني: ما حملك على الصيام وأنت مسافر؟! قال: إن الخيل لا تجري الغايات وهن بُدَُّن (28) ، إنما تجري وهن ضُمَّرٌ، إلا وإن أيامنا باقية جائية لها نعمل (29) .
آثار غذاء الروح.
إن الروح إذا تغذت بتفريغ المفسدات، والتزود بهدى الله الذي أنزله لعباده، فإن لذلك آثارًا عظيمة على الجوارح، فتقبل على العبادة بنفس منشرحة، وترى فيها أنسها وراحتها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (( وجعلت قرة عيني في الصلاة ) ).
حتى إن الله تعالى يوكل بها من يوقظها إذا هي غفلت أو تكاسلت، كان العلاء بن زياد له وقت يقوم فيه، فقال لأهله تلك الليلة: إني أجد فترة، فإذا كان وقت كذا فأيقظوني، فلم يفعلوا، قال: فأتاني آت في منامي، فقال: قم يا علاء بن زياد اذكرِ الله يذكرْك، وأخذ بشعرات في مقدَّم رأسي، فقامت تلك الشعرات في مقدَّم رأسي، فلم تزل قائمة حتى مات، قال يحيى بن بسطام: فلقد غسلناه يوم مات وإنهن لقيام في رأسه (30) .