وبين الله الحكمة من إيجاب هذا الصوم بقوله: {لعلكم تتقون} ؛ أي لأجل أن نحقق تقوى الله تعالى باتباع ما أمرنا به واجتناب ما نهانا عنه ..
إن الحكمة من الصيام هي تهذيب النفس وقسرها على طاعة الله تعالى .. حيث يصوم العبد نهاره بلا أكل ولا شرب ولا شهوة، ويصون سمعه وبصره عما حرم الله عليه، ويظل لسانه يلهج بذكر ربه ... ويحيي ليله قائمًا وراكعًا وساجدًا وداعيًا ومنيبًا وباكيًا وخاشعًا وقارئًا ومتصدقًا ..
هنا تصفو نفسه .. حيث لا داعي للرياء .. أمْرُ عبادة الصوم ما بينه وبين ربه عز وجل ..
ولذا جاء في الصحيحين واللفظ لمسلم من حديث أبي هريرة _ رضي الله عنه _ عن النبي _ صلى الله عليه وسلم _: (( كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل: إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي؛ يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، للصائم فرحتان؛ فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ) ).
لقد جعل الله تعالى جزاء الصوم إليه تعالى؛ لكون العبد ما صام إلا له تعالى ولأجله سبحانه ..
نعم .. إن الفطر لا يمكن أن يطلع عليه أحد من الناس، ولكن العبد صام وأقلع عن طعامه وشرابه وشهوته امتثالًا لأمر الله تعالى وطلبًا لرضاه سبحانه، فحقق تقوى ربه عز وجل، وضيق مجاري الشيطان في جسده بصومه فأقبلت نفسه على عبادة ربه .. ، ولذا كافأه ربه بأن جعل ثواب صومه إليه تعالى .. وما ظنكم بأكرم الأكرمين سبحانه، وكيف سيجازي عبده على عبادته؟ (( إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه وشهوته لأجلي ) ).
إنها والله الغنيمة العظمى ..
نعم إنها التقوى ... إنها التقوى {لعلكم تتقون} ، وهي الحكمة والغاية من العبادة ...
نعم .. أن يكون تركنا للمشارب والمآكل والشهوة إخلاصًا لله تعالى واتباعًا لأمره .. ، وحينها نشعر بأثر العبادة، نشعر بأثرها علينا في أجسامنا ومجتمعنا وقلوبنا والدنيا بأسرها ..