فهرس الكتاب
ولا يخفى على كل من له معرفة بأحوال الحاسبين من أهل الفلك ما يقع بينهم من الإختلاف في كثير من الأحيان في إثبات ولادة الهلال أو عدمها، وفي أماكن الرؤية للهلال أو عدم ذلك، ولو فرضنا إجماعهم حجة، لأنهم ليسوا معصومين بل يجوز عليهم الخطأ جميعًا، وإنما الإجماع المعصوم الذي يُحتج به هو إجماع سلف الأمة في المسائل الشرعية، لأنهم إذا أجمعوا دخلت فيهم الطائفة المنصورة التي شهد لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها لا تزال على الحق إلى يوم القيامة. [مجموع فتاوى ومقالات 15/ 131] .
وقال فضيلة الشيخ صالح الفوزان:
لا يجوز ابتداء صيام شهر رمضان إلا برؤية هلاله، لقوله صلى الله عليه وسلم:"صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم، فاقدروا له"، ولا يجوز الاعتماد على الحساب، لأنه خلاف المشروع، ولأن الحساب يخطئ كثيرًا، لكن من كان في بلاد غير إسلامية، وليس فيها جماعة من المسلمين يعتنون برؤية الهلال، فإنه يتبع أقرب البلاد الإسلامية إليه وأوثقها في تحري الهلال، فإن لم يصل إليه خبر يعتمده في ذلك، فلا بأس أن يعتمد على التقويم، لقوله تعالى:"فاتقوا الله ما استطعتم" [المنتقى 3/ 124]
وقال أعضاء اللجنة الدائمة:
الشريعة الإسلامية شريعة سمحة وهي عامة شاملة أحكامها جميع الثقلين الإنس والجن، على اختلاف طبقاتهم، علماء وأميين، وأهل الحضر وأهل البادية، فلهذا سهل الله عليهم الطريق إلى معرفة أوقات العبادات، فجعل لدخول أوقاتها وخروجها أمارات يشتركون في معرفتها، فجعل غروب الشمس أمارة على دخول وقت المغرب، وخروج وقت العصر، وغروب الشفق أمارة على دخول وقت العشاء مثلًا، وجعل رؤية الهلال بعد استتاره آخر الشهر أمارة على ابتداء شهر قمري جديد وانتهاء الشهر السابق، ولم يكلفنا معرفة بدء الشهر القمري بما لا يعرفه إلا النزر اليسير من الناس، وهو علم النجوم، أو علم الحساب الفلكي، وبهذا جاءت نصوص الكتاب والسنة بجعل رؤية الهلال ومشاهدته أمارة على بدء صوم المسلمين شهر رمضان، والإفطار منه برؤية هلال شوال، وكذلك الحال في ثبوت عيد الأضحى ويوم عرفات، قال تعالى:"فمن شهد منكم الشهر فليصمه"، وقال تعالى:"يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج"، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فافطروا، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين"، فجعل عليه الصلاة والسلام الصوم لثبوت رؤية هلال شهر رمضان، والإفطار منه لثبوت رؤية هلال شوال، ولم يربط ذلك بحساب النجوم وسير الكواكب، وعلى هذا جرى العمل زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وزمن الخلفاء الراشدين، والأئمة الأربعة والقرون الثلاثة المفضلة، التي شهد لها النبي صلى الله عليه وسلم بالفضل والخير، فالرجوع في إثبات الشهور القمرية إلى علم النجوم في بدء العبادات والخروج منها دون الرؤية، من البدع التي لا خير فيها، ولا مستند لها من الشريعة، وإن المملكة العربية السعودية متمسكة بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح من إثبات الصيام والإفطار والأعياد وأوقات الحج ونحوها برؤية الهلال، والخير كل الخير في اتباع من سلف في الشؤون الدينية، والشر كل الشر في البدع التي أحدثت في الدين.
فالله تبارك وتعالى علم ماكان وما سيكون، من تقدم علم الفلك وغيره من العلوم، ومع ذلك قال:"فمن شهد منكم الشهر فليصمه"، وبينه رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله:"صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته"، فعلق صوم شهر رمضان والإفطار منه برؤية الهلال، ولم يعلقه بعلم الشهر بحساب النجوم مع علمه تعالى بأن علماء الفلك سيتقدمون في علمهم بحساب النجوم وتقديرها وسيرها، فوجب على المسلمين المصير إلى ما شرعه الله لهم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من التعويل في الصوم والإفطار على رؤية الهلال وهو كالإجماع من أهل العلم، ومن خالف في ذلك وعول على حساب النجوم فقوله شاذ لا يعول عليه.
ولهذا قرر المجلس بالإجماع عدم اعتبار حساب النجوم في ثبوت الأهلة في المسائل الشرعية. [فتاوى اللجنة الدائمة 10/ 104 - 107 وما بعدها] .
المقصود ممّا سبق أن ثبوت دخول الشهر وخروجه يثبت بالرؤية بالعين المجردة وكذلك باستخدام الآلات الحديثة كالمراصد والنظارات والتلسكوبات وغير ذلك، فهذا كله جائز، أو بإكمال العدة ثلاثين يومًا.
أما الحساب والتعامل بالنجوم فلا يجوز أن يلتفت إليه ولا يعول على كلام المتعاملين به، لمخالفته للشرع المطهر، وكذب المنجمون ولو صدقوا.
وكذلك لا اعتبار بضعف منازل القمر، ولا لكبر الأهلة وضعفها، ولا عبرة لرؤية الهلال قبل طلوع الشمس من اليوم التاسع والعشرين سواءً كان منخفضًا أو مرتفعًا، ولا لرؤية الهلال في المشرق قبل طلوع الشمس من اليوم التاسع والعشرين، بل المشروع في ذلك رؤية الهلال بعد المغرب ليلة الثلاثين أو إكمال العدة.
فوائد الصيام وفضائله وآدابه: