فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 122

أجمع العلماء-رحمهم الله- على أن صيام رمضان يعتبر ركنًا من أركان الإسلام، وأنه من الفرائض التي أوجب الله - عز وجل - على عباده، كان الأمر في أول الأمر فرض على الناس صيام يوم عاشوراء، ثم نسخ صيام عاشوراء بصيام رمضان، وقال بعض العلماء: لا بل فرض عليهم صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وهي الأيام البيض، ثم نسخ ذلك بصيام رمضان، والصحيح هو القول الأول أن الناس كانوا مطالبين بصيام يوم عاشوراء فريضة كما في حديث معاوية في الصحيح:"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رقى المنبر وقال: (( إن الله فرض عليكم صيام يومكم هذا في ساعتي هذه ) )فأوجب الله على الناس صيام يوم عاشوراء، ثم نسخ بصيام شهر رمضان، وهذا النوع من النسخ يمثل له العلماء يعتبر أحد أنواع النسخ وهو (نسخ الأخف بالأثقل) ."

لأن النسخ ينقسم إلى قسمين:

القسم الأول: نسخ إلى بدل.

والقسم الثاني: ونسخ إلى غير بدل.

فالنسخ إلى بدل إما أن يكون إلى بدل مساوٍ أو بدل أثقل أو بدل أخف، فمثال البدل المساوي كنسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى الكعبة فإن التوجه مساوٍ وإن كانت فضيلة الكعبة أعظم من فضيلة بيت المقدس فهذا يسمونه من النسخ إلى مثل، ونسخ الأخف بالأثقل منع منه بعض الأصولين وقالوا: إن الشريعة شريعة رحمة ولاينسخ الأخف بالأثقل، والصحيح أنه ينسخ الأخف بالأثقل بدليل فرضية شهر رمضان فقد كان المفروض يومًا واحدًا فنسخ بثلاثين يومًا فأوجب الله على الناس صيام شهر كامل فهذا يعبتره العلماء دليلًا على جواز نسخ الأخف بالأثقل، وقد ينسخ الأثقل بالأخف - وهذا كثير - كما في مصابرة الواحد للعشرة نسخت بمصابرته للاثنين فهذا النسخ يعتبره العلماء من نسخ الأخف بالأثقل.

والذي فرض الله - عز وجل - صيامه ثلاثون يومًا، وقد تكون تسعةً وعشرين إذا كان الشهر ناقصًا وسواءً كان كاملًا أو ناقصًا فإنه أثقل من صيام يوم واحد هذه الفرضية لشهر رمضان وقعت في السنة الثانية من الهجرة في اليوم الثاني قيل لليلتين خلتا من شهر شعبان من السنة الثانية فرض الله على المسلمين صيام شهر رمضان وأوجب عليهم ذلك، وصام النبي - صلى الله عليه وسلم - تسع رمضانات كاملة، وفي هذه السنة وهي السنة الثانية هي التي وقعت فيها غزوة بدر الكبرى وفيها كانت فرضية الصيام، قال العلماء: إن الله - عز وجل - فرض صيام رمضان لحكم عظيمة وغايات جليلة كريمة أعظمها وأجلها على الإطلاق ما جعل الله في الصيام من معنى الإخلاص لوجهه الكريم، فإن الإنسان إذا تعود على الشيء وأصبح ديدنًا له ارتاضت نفسه على الكريم، فإن الإنسان إذا تعود على ذلك الشيء خيرًا كان أو شرًا فإذا عُوِّد على الخير كان على خير، وإن عُوِّد على شر-والعياذ بالله- كان على شر فالصيام من أعظم حكمه وأجلها وأشرفها أنه يعود الإنسان على الإخلاص لله - عز وجل -؛ والسبب في ذلك أنه أخفى العبادات، ويستطيع الإنسان أن يتظاهر بالصيام أمام الناس وأن يفطر في بيته وأن يأكل في غيبة عن نظر الناس ومع ذلك يصوم، فكأنه يُعَوَّد بهذه العبادة على إرادة وجه الله الكريم، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث القدسي عن الله ... -تعالى- أنه قال: (( كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به ) )قال العلماء قوله: (( فإنه لي ) )أي أنه يقع خالصًا لوجه الله - عز وجل -، وسر الإنسان في قوته إذا تغلب على نفسه فإذا أردت أن ترى الإنسان القوي الذي يستطيع أن ينال الطاعة بيسر وسهولة بعد توفيق الله - عز وجل - فانظر إلى من قهر هواه، وأصبحت نفسه تحت أمره ولم يصبح تحت أمر نفسه، وقد أشار الله-تعالى- إلى ذلك بقوله: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فإذا أصبحت النفس تحت أمرك وتحت نهيك فقد ملكت كثيرًا من الخير وأصبحت نفسك مستجيبة لطاعة الله؛ لأنك تأمرها وتنهاها فتأتمر وتنتهى لكن المصيبة إذا كان الأمر على العكس فكأن الصيام حينما يصوم الإنسان تصبح نفسه تحته؛ لأن النفس تريد شهوة الأكل وشهوة الشرب وشهوة الفرج ومع ذلك يكبحها ويمنعها فيقوى سلطان الإنسان على نفسه وهذا يقع في كثير من العبادات فالإنسان يشتهي - مثلًا - النوم فتجده في غاية من نومه وراحته واستجمامه يأتيه أمر الله أن يقوم إلى صلاة الفجر فيقوم ويقهر نفسه فإذا قهر نفسه استجابت نفسه لما بعد ذلك من الأوامر في سائر يومه، ثم بعد ذلك لذة الأكل والشرب تأتيه فريضة الله - عز وجل - بالامتناع عن طعامه وشرابه فيصوم، ثم تأتيه شهوة المال فيأتيه أمر الله بإخراج الزكاة فيخرجها ثم شهوة الأهل والأولاد والأوطان فيأتيه أمر الله بالخروج عنهم والتغرب عنهم في الحج إلى بيت الله الحرام فإذا انتزع الإنسان نفسه من الهوى وأصبحت نفسه تحت أمره ونهيه استطاع أن يأمرها فتأتمر وينهاها فتنزجر، ولذلك

الناس على ثلاثة أقسام:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت