القسم الأول: منهم من أصبح هواه تحت أمره كما أشار الله إلى هذا الصنف - وهم السعداء - في قوله-تعالى-: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى - فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى .
والقسم الثاني: قسم هواه غالب عليه، وقد أشار الله - عز وجل - إلى هذا القسم بقوله: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ فهذا-نسأل الله السلامة والعافية- لا يبالي الله به في أي أودية الدنيا هلك، ولذلك تجد بعض أهل الشهوات تقول له: - يا أخي - هذا حرام وهذا لايجوز فيقول: أنا أعلم أنه حرام وأنه لايجوز؛ ولكن لا أستطيع أن أتركه، ومعنى أنه لايستطيع أن يتركه معناه أنه قد بلغ مرتبة من المراتب التي لايستطيع فيها أن يأمر نفسه فتستجيب له فأصبح هواه هو الذي يأمره وشهوته هي التي تحكمه -نسأل الله السلامة والعافية-.
وأما القسم الثالث: فهم الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا فهؤلاء إلى أمر الله - عز وجل - إن شاء عذبهم فبعدله، وإن شاء عفا عنهم فبمحض فضله فهؤلاء هم الذين تارة يغلبون الهوى، وتارة يغلبهم الهوى، وهم الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، إن غلبوا الهوى كانوا على الصلاح، وإن غلبهم الهوى كانوا على الطلاح، ولذلك لا يأمن الواحد منهم أن تأتيه منيته على هواه، أو تأتيه منيته على طاعة ربه، ولذلك مثل هؤلاء على خطر إن لم يتداركهم الله - عز وجل - برحمته، فالمقصود أن الصيام يربي في النفس القدرة على الهوى وقهر الهوى حتى تكون النفس مستجيبة، قال العلماء: من امتنع عن الطعام والشراب والجماع مع أن الله أحل له من مال حلال أن يطعم وأن يشرب وأن يجامع أهله وزوجته فإنه إذا منع نفسه عن هذا الحلال أقدر من أن يمنع نفسه بتوفيق الله عن الحرام فإذا كان يمكث هذه المدة ثلاثين يومًا أو تسعًا وعشرين يومًا وهو لايقترب من طعامه ولا شرابه ولاشهوة فرجه فإنه قادر بإذن الله - عز وجل - إذا دعته نفسه إلى الحرام أن يمتنع عن المأكل الحرام والمشرب الحرام، وكذلك فعل الحرام من الشهوات التي لم يأذن الله - عز وجل - بها.
وفي الصيام خير كثير، فإنه يذكر الأغنياء بالفقراء ويذكرهم بالمحتاجين فإن الإنسان إذا جاع وعطش مع قدرته أو علمه أنه في آخر النهار سيجد الطعام وسيجد الشراب فإنه سيتذكر الفقير الذي لايجد طعامًا ولا شرابًا، ولذلك قالوا: إن هذا الصيام فيه مصلحة عظيمة للإنسان من جهة تذكره للضعفاء خاصةً إذا كان من الأغنياء والأثرياء فإن الغني ربما ينسى إخوانه من الضعفاء والفقراء بسبب ما فيه من الغنى كما قال-تعالى-: كَلاَّ إِنَّ الأِنْسَانَ لَيَطْغَى - أَنْ رَأَىهُ اسْتَغْنَى {فالإنسان إذا استغنى أصابه الطغيان ولكن إذا جاع كما يجوع الفقير وظمئ كما يظمأ الفقير دعاه ذلك إلى أن يتذكر هؤلاء الضعفاء فيعطف عليهم، ثم إن الصيام يُذَكِّر بالله - جل جلاله - ويُذَكِّر بالآخرة، ولذلك كان بعض العلماء-رحمة الله عليهم- يبكي إذا انتصف النهار؛ لأنه يتذكر إذا وقف بين يدي الله - عز وجل - واشتد الحر وعظم ظمأ الناس في عرصات يوم القيامة، فهو يذكر بالله - سبحانه وتعالى -، فلأجل هذه الحكم العظيمة والغايات الجليلة الكريمة شرع الله الصيام، وأخبر - سبحانه وتعالى - أنه سبيل لأعظم وأحب الأشياء إليه وهو تقواه فقال-تعالى-:} كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ {أي جعلناه سببًا للتقوى، وما خرج الإنسان بزاد من الدنيا أحب إلى الله - عز وجل - من تقواه كما قال-سبحانه-:} وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى فإذا كان الصوم يزيد من التقوى فمعناه أنه يزيد من أمرين وهما تحصيل فرائض الله والانكفاف والامتناع عن محارم الله - سبحانه وتعالى -.
وخلاصة الأمر أن للصيام حكم عظيمة، ومزايا كثيرة، فمن هذه الحكم:
1_ يورث التقوى.
2_ يذكر الفقراء والمساكين.
3_ يذكر المسلم نعمة الله عليه.
4_ شكر نعمة الله تعالى.
5_ يضيق مجاري الشيطان.
6_ العديد من المصالح الصحية:"صوموا تصحوا".
فرضية صيام شهر رمضان:
فُرض صيام شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة، وكانت فرضية الصيام في أول الأمر إذا صام الإنسان يصوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فإذا غابت الشمس وأفطر إذا نام ولو بعد مغيب الشمس وبلحظة واحدة حرم عليه الأكل والشرب إلى اليوم الثاني فكانت هذه هي فرضية الصيام في أول الأمر، ثم إن الله خفف ذلك فقال: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ {إلى قوله-سبحانه-:} وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْر فخفف هذا الصيام.
صيام الأمم السابقة: