فهرس الكتاب
ومن طهرت أثناء النهار فعليها قضاء ذلك اليوم، وليس لها أن تمسك، بل لها أن تفطر سائر اليوم الذي طهرت فيه، لأن النهار في حقها غير محترم، ويجوز لها الفطر في أول النهار وفي آخره، ومجرد الإمساك لا فائدة منه ولا دليل عليه، ولان الفطر حصل لها بعذر شرعي ومعلوم أن الله تعالى بحكمته البالغة ورحمته لم يوجب على عباده صيام نصف يوم، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:"من أكل أول النهار فليأكل آخره" [أخرجه البيهقي] .
أما من قال: إذا طهرت الحائض أو النفساء أثناء النهار فعليها مع القضاء أن تمسك ذلك اليوم فهذا القول مرجوح، وحجتهم في ذلك، احترام الزمن، وهذا غير مسلم به، لأن حرمة الزمن زالت بالإفطار من أول النهار.
ثانيًا: دم الاستحاضة:
قد يخرج من المرأة بعض المواد السائلة أو الدم المنفصل عن الدورة الشهرية، وهذا ما يسمى بدم الاستحاضة، وأما المواد الأخرى فهي شبيهة بالبول، فيجب الوضوء منها ولا تمنع الصلاة ولا الصيام، أما دم الاستحاضة فحكم المرأة فيه كحكم الطاهرات مثل التي قبلها، فهي أيضًا تصلى وتصوم وعليها أن
تتحفظ من الدم بشيء يمنع سقوط الدم على الأرض أو الملابس وعليهما ـ المستحاضة ومن ترى المواد السائلة ـ الوضوء لكل وقت صلاة إذا كان الدم والمادة السائلة متصلة الخروج دون انقطاع لأنهما في حكم صاحب الحدث الدائم. وعمومًا فالاستحاضة لا تؤثر على صحة الصوم.
ثالثًا: دم النفاس:
أقل النفاس يوم وليلة، وأكثره أربعون يومًا، فإذا طهرت النفساء قبل الأربعين وجب عليها الصوم والصلاة والاغتسال قبل ذلك، فإن عاد عليها الدم في الأربعين فهو دم نفاس، فتمتنع عن الصلاة وعن الصيام، فإذا انتهت الأربعين وبقي معها الدم، فإما أن يكون هذا الدم موافق لأيام حيضها فيعتبر حيضًا، وإلا فهو دم فساد وهو ما يسمى بالاستحاضة ومتى طهرت النفساء أثناء الأربعين، اغتسلت وصلت وصامت وصح منها ذلك، ومتى عاد عليها الدم توقفت عن الصلاة والصيام، ولا تقضي الأيام التي صامتها أثناء طهارتها وقت الأربعين ويحرم على زوجها وطؤها أثناء وجود دم الحيض والنفاس. وإذا طهرت النفساء أثناء الأربعين واغتسلت جاز لزوجها جماعها ومن كره ذلك فلا دليل لديه، وإنما هي كراهة تنزيه.
حبوب منع خروج دم الحيض والنفاس:
هذه الحبوب سببت للنساء أمراضًا ظاهرية وباطنية، وسببت لهن عدم انتظام في دم الحيض، مما تسبب معه كثرة الأسئلة والاستفسارات حول هذه المواضيع المهمة والتي تتعلق بأداء الصلاة والصيام، وكما بين كثير من الأطباء ضررها على المرأة، وكما هو معلوم أن دم الحيض دم جبلة خلقه الله تعالى لتغذية الطفل، وهذا أمر قد كتبه الله تعالى على بنات آدم لما فيه من مصلحة لهن، فعلى المسلمة أن تذعن وتستسلم لأمر ربها سبحانه ولا ترهق نفسها وتوردها المهالك من أجل أن تصوم مع الناس فمتى وجد الدم تركت الصلاة والصيام، وقضت الصيام دون الصلاة، ومتى انقطع الدم اغتسلت وأصبحت طاهرة تصوم وتصلى وتحل لزوجها.
المقصود. . . أن من تُسبب لها تلك الحبوب ضررًا، فلا ينبغي لها أن تستخدمها أبدًا، ومن لم تتضرر بها فلا بأس باستخدامها. والله أعلم.
5 -النية:
وهذا هو الشرط الخامس من شروط صحة الصوم.
فالنية لغة: القصد أو الإرادة.
وشرعًا: قصد التقرب إلى الله تعالى بالعمل الصالح.
النية مقترنة بالعمل الاختياري الذي يعمله الإنسان، لأن الإنسان لا يمكن أن يعمل عملًا اختياريًا بدون أن ينويه، ولكن محلها القلب، أما التلفظ بها فهو بدعه منكره تدل على جهل صاحبها وقلة دينه وضعف يقينه، وإلا فمن هو الذي يريد أن يتوضأ أو يصلى ثم يتلفظ بما سيفعل من تلك العبادات فيقول مثلًا: نويت أن أتوضأ لأصلي فرض كذا أو يقول: نويت أن أصلي الصلاة الفلانية مع الإمام الفلاني، وما شابه ذلك من الضلال والبعد عن العلم اليقيني بالدين، إن ذلك يُعد استخفافًا بعلم الله الذي يعلم السرائر وما تخفيه الضمائر، وفي ذات الوقت هو سوء أدب مع الله تعالى، وانتقاص لعلمه الغيب ومعرفته بما كان وبما سيكون، ولهذا قال الله تعالى: {قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السموات وما في الأرض والله بكل شيء عليم} [الحجرات 16] .
المؤمن العاقل الفطن لا ينساق وراء الأوهام ولا الضلالات، ولا يتبع بدع أهل الزيغ والانحلال، ولا يسير وراء علماء السوء من الصوفية وغيرهم ممن اتبعوا الضلالة وتركوا الهدى، وحادوا عن جادة الصواب. بل على المؤمن أن يرجع إلى دينه ويحكم الكتاب والسنة وأقوال العلماء الأجلاء الذين يتبعون الحق ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويظهر ذلك جليًا في أقوالهم وأعمالهم.
المقصود أن النية محلها القلب ولا يجوز التلفظ بها، والنية ملازمة للعمل، لأنه لا عمل بلا نية قال صلى الله عليه وسلم:"إنما الأعمال بالنيات" [متفق عليه] .
قال بعض العلماء: لو كلفنا الله عملًا بلا نية، لكان ذلك من تكليف ما لا يُطاق.
وجوب النية: