الصفحة 56 من 111

والمتحرف للقتال الذي يفر عن وجه العدو لخدعة حربية والمتحيز إلى فئة من يفر وجه العدو لينضم إلى جماعة المجاهدين وجملتهم فهؤلاء لا حرج عليهم.

السابعة من المهلكات: وهي الأخيرة:

قذف المحصنات الغافلات المؤمنات: قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} [سورة التوبة: الآية 23 - 25] وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [سورة النور: الآية 4] . بين الله تعالى في هذه الآيات أن من قذف امرأة محصنة حرة عفيفة عن نالزنا والفاحشة أنه ملعون في الدنيا والآخرة وله عذاب عظيم وعليه الحد في الدنيا ثمانون جلده وتسقط شهادته وإن كان عدلا والقذف أن يقول لامرأة حرة عفيفة مسلمة يا زانية أو يا باغية أو يا قحبة أو يقول لزوجها يا زوج القحبة أو يقول لولدها يا ولد القحبة أو يا ولد الزانية أو يقول لبنتها يا بنت الزانية أو يا بنت القحبة فإن القحبة عبارة عن الزانية. فإذا قال ذلك أحد من رجل أو امرأة لرجل أو امرأة وجب عليه الحد ثمانون جلدة إلا أن يقيم بذلك بينة والبينة كما قال الله أربعة شهداء يشهدون على صدقه فيما قذف به تلك المرأة أو ذلك الرجل. فإن لم يقم البينة جلد إذا طالبته بذلك التي قذفها وطالبه بذلك الذي قذفه [1] .

وكثير من الجهال واقعون في هذا الكلام الفاحش الذي عليهم فيه العقوبة في الدنيا والآخرة، ولهذا ثبت في الصحيحين عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب» [2] وقال معاذ بن جبل يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به فقال: «ثكلتك أمك وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم» [3] . وقال عقبة بن عامر يا رسول الله ما النجاة؟ قال: «أمسك عليك

لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك» [4] . وقال - صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» [5] وقانا الله شر ألسنتنا بمنه وكرمه.

فيا أيها المسلم لا تدنس نفسك بهذه الموبقات فتوجب لها مقت الله ومقت الناس وتعرضها لشديد العذاب في الدنيا والآخرة بل اجعلها طاهرة نقية طيبة مهذبة متصفة بالخوف من عقاب الله والرجاء لثوابه والحياء منه ثم من خلقه متأدبة بآداب الشريعة الغراء متحلية بالأخلاق الفاضلة لا ترض بالخير بديلا.

تنبيه:

ليس الغرض حصر الموبقات في هذه السبع بل الغرض التنبيه إلى أمثالها كالزنى والسرقة والخيانة في الأمانة ونحوها وعقوق الوالدين وقيطعة الأرحام واليمين الغموس وترك الصلاة ومنع الزكاة والإفطار في رمضان بلا عذر وترك الحج مع القدرة عليه والإلحاد وشراب المسكرات وشهادة الزور والغيبة والنميمة والكذب على الله أو على رسوله أو في سائر الأخبار وغالب الأقوال ومفارقة جماعة المسلمين بالردة عن الإسلام وترك التنزه من البول والامن من مكر الله القنوط من رحمة الله والإضرار في الوصية والجمع بين الصلاتين من غير عذر، فكل هذه من الكبائر المهلكات والموبقات المردية التي جاء فيها الوعيد الشديد بالعذاب الأليم وبعضها أكبر من بعض فترك أحد أركان الإسلام مع القدرة أكبر إثما من غيره وأشد عقوبة، وقد اختلف العلماء في حد الكبائر وعددها فقيل هي سبع وقيل سبعون، وقيل سبعمائة، والحد الجامع لذلك أن الكبيرة كل

(1) هذا مبني على أن الحد حق للمقذوف، وقيل يجلد القاذف وإن لم يطلب المقذوف لأن الحد حق الله.

(2) انظر كتاب الكبائر للذهبي ص 90 - 91.

(3) رواه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح، انظر كتاب الكبائر للذهبي ص 90 - 91.

(4) رواه أحمد والترمذي.

(5) رواه البخاري ومسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت