الصفحة 1 من 10

الشيخ محمد صالح المنجد

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:-

فإن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان، وأنعم عليه نعمًا، {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا} (الإسراء: من الآية36) . وجعله محاسبًا بهذا على حواسه التي أتاه إياها، وفي العالم اليوم يتعامل الناس بحواسهم مع ما حولهم من الأحداث والأخبار، وقد صار لهذه الأخبار وقعٌ كبير في النفوس، لما حصل من تطور هذه الوسائل التي تنقلها، وصار الخبر ينتشر مشافهةً، وكتابةً، وبوسائل عظيمة من هاتف وجريدة ومجلة وإذاعة وتلفاز وشريط مسجل، وشبكة نسيج، تمتد خطوطها في أنحاء العالم، ومواقع خاصة بهذا، وقنوات له كذلك، فصار للأخبار من السحر والأثر والمكانة بين الناس ما صار، وصار يُنفق في إعدادها، والتخصص بها، والتقارير من أجلها، والشاشات ثلاثية الأبعاد التي تجعل المشاهد كأنه يعيش وسط الحدث، واحتف بهذا من المزينات والمؤثرات، وسحر الإعلام ما يجعل المشاهد يأخذ كل ما يسمع، {وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} (المنافقون: من الآية4) . وقد خشي النبي - صلى الله عليه وسلم - على هذه الأمة من تأثير عليم اللسان، والنفس تحب معرفة ما غاب عنها، وتكون متلهفة لعامل الإثارة الموجود في الأخبار، من التتابع والتنوع والجلب من جميع أنحاء العالم، وقد أدرك أعداؤنا جيدًا هذه الصنعة، وعملوا بها واحترفوها، واستعملوا في حرب المسلمين من أنواع المؤثرات ما استعملوا، ومن ذلك الكذب في هذه الأخبار، حتى صارت لعبة لهم، وحرب دعائية يشنونها، وقد قال عليه الصلاة والسلام (( إياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار ) )، وقال عليه الصلاة والسلام في حديث البرزخ (( فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ، وَإِذَا هُوَ يَاتِي أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ فَيَشُقُّ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَمَنْخِرَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنَهُ إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالْجَانِبِ الْأَوَّلِ، فَمَا يَفْرُغُ مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ الْجَانِبُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمَرَّةَ الْأُولَى. قَالَ: قُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، مَا هَذَانِ؟ قَالا: هذا الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ فَيَكْذِبُ الْكَذْبَةَ تَبْلُغُ الْآفَاقَ فَيُصْنَعُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) )رواه البخاري. فهذا الذي يكذب الكذبة تبلغ الآفاق، والآخر الملك الذي يتولى تعذيبه في البرزخ حتى يبعث الله الناس يوم القيامة ليكون الجزاء الأشمل والأعم والأدوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت