الصفحة 2 من 10

وكثيرٌ من المراسلين وصانعي الأخبار ينطبق عليهم ما ورد في هذا الحديث، وبعضهم ينطبق عليه حديث الكاهن، الذي يتلقف الخبر من الشيطان، فيكذب معه مائة كذبة، ومن أنواع المنكرات فيها تزييف الحقائق وقلبها، هذا الذي يأتي بخبر الميت حيًا، والحي ميتًا، وكم من خبر شاع بين الناس ولاكته أنفسهم ومصدره أفاك أثيم، يُزخرف الخبر، أو يجعل فيه إضافات من المكر، وقد قال الله: {وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ} (ابراهيم: من الآية46) . تأثير وشراء ذمم، وهكذا إخطبوط رهيبٌ في العالم، يجري بشراء ما يلزم، وكذلك تسريبات وتضليلٌ وتخطيطٌ وتضليلٌ مضاد، وهكذا يُجتزئ خبر هنا، ويبتر هناك، وينتقى هنا، وتترك تفصيلات أخرى مهمة، ذكر بعض الحقائق وإخفاء أخرى، إبراز لبعض الجوانب وكتم لأخرى، تركيز وتسليط الضوء على شيء وإهمال الآخر، واستخدام الصورة صار اليوم واضحًا جدًا في الخبر وتأثيره، وكذلك تغيير التوجهات والقناعات، والصورة قد تكون ناقصة لهوى معين عند صانعي الأخبار، على مذهب {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ} (النساء: من الآية43) . ثم يسكتون عن ذلك، ولذلك يوجد لدى القوم غُرف لغسيل الخبر، والتزوير والتلفيق، وأيضًا فإن كثرة الأوهام والأخطاء في نقل بعض الأخبار عند بعض الناس، هذا يثبت وهذا ينفي وهذا يؤكد وهذا يشكك، ويحصل التضارب وتتزاحم الأكاذيب، ويحدث التحوير والتغيير والزيادة والنقصان، حتى يصبح الخبر ككرة ثلج تتدحرج، وهذا ما يشيع بين الناس أمورًا لا حقائق لها، أو أصلها صحيح لكنها مبتورة أو مغيرة، قال الحسن البصري - رحمه الله: خرج عندنا رجل بالبصرة، فقال: لأكذبن كذبه يتحدث بها الوليد!!، قال الرجل: فما رجعت إلى منزلي (أي هذا الكذاب) حتّى ظننت أنها حق لكثرة ما رأيت الناس يتحدثون بها.

ثم هناك انحياز في تحليل الخبر، وتحليل مبطّن، وتعليقات على الحدث، قال ابن القيم - رحمه الله: وكل أهل نحلة ومقالة يكسون نحلتهم ومقالتهم أحسن ما يقدرون عليه من الألفاظ، ومقالة مخالفيهم أقبح ما يقدرون عليه من الألفاظ، ومن رزقه الله بصيرة فهو يكشف به حقيقة ما تحت تلك الألفاظ من الحق والباطل.

وقد عبّر بعضهم عن العسل بالتعبير الذي يجذب أو ينفر

تقول هذا جناءُ النحل تمدحه ... وإن تشأ قلت: ذا قيء الزنابير

مدحا وذما وما جاوزت وصفهما ... والحق قد يعتريه سوء تعبير

فهذا عبّر عن العسل بجنى النحل، وآخر عبّر عن العسل بقيء الزنابير، وهذه كلمة الزنابير وما يعني جرسها في النفس والقيء، وما تعني هذه الكلمة في النفس تفيد تنفيرًا، وجنى والنحل من الكلمات المحبوبة في النفس.

نظروا بعين عداوة لو أنها عين الرضا لاستحسنوا ما استقبحوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت