الصفحة 7 من 10

وإذا نظرت إلى الحديث الآخر: (إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ وَوَادَ الْبَنَاتِ وَمَنَعَ وَهَاتِ وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ)

فإن قوله: (وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ) كراهة تداول أقاويل الناس، وتزجية الأوقات بذلك، وقد قال عليه الصلاة والسلام (( بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَمُوا ) )، المطية التي يتحرك عليها ويتنقل من مكان إلى مكان، زعموا: الزعم هذا الخبر الذي لا يدرى أصحيح أم كذب، وأسوء عادة للرجل أن يتخذ هذا المركب إلى مقاصده، فيخبر بغير تروّي، وقد كان للأخبار الكاذبة آثار سيئة، فلمّا هاجر الصحابة إلى الحبشة، أشيع أن كفار قريش أسلموا، فرجع الصحابة وتكبدوا عناء الطريق، ولما وصلوا مكة لاقوا من قريش صنوف الأذى بسبب خبر كاذب وإشاعة. في غزوة أحد أشيع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قتُل، فانكفأ جيش الإسلام، وترك بعضهم القتال، وحصل ما حصل. لما أُشيع خبر الإِفك في عائشة - رضي الله عنه - الطاهرة العفيفة البريئة حصل للرسول عليه الصلاة والسلام وعائشة وأبي بكر والمسلمين جميعًا من البلاء بذلك ما لا يعلمه إلا الله، وأشيع في صلح الحديبية قتل عثمان، ونحو ذلك، بل أن مقتل الخليفة الراشد عثمان - رضي الله عنه - كان من أسبابه أخبار كاذبة، روجها عبد الله بن سبأ اليهودي وأعوانه.

وقد كان للسلف طرق عظيمة في التثبت من الخبر، بالإضافة إلى الفطنة والتيقظ؛ الاستحلاف، بل استحلف الأعرابي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أركان الإسلام، وكانوا أيضًا يطالبون بالدليل على صحة الخبر، فلما أخبر أبو سعيد عمر - رضي الله عنه - بشيء، قال: والله لأوجعن ظهرك وبطنك أو لتأتين بمن يشهد لك على هذا.

وأيضًا إرسال من يستثبت من الخبر، فينتظر حتى يأتي الرسول بالحقيقة، وفي غزوة الخندق أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - السعدين للتأكد من نقض اليهود للعهد.

وأيضًا أن يذهب بنفسه ليستيقن الخبر، ولما سمع الصديق خبر وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتكلم بكلمة، حتى دخل عليه - صلى الله عليه وسلم - وهو مسجى فتأكد بنفسه ثم خرج على الناس فتكلم، وأيضًا تصحيح الفهم والتأكد من ذلك.

وكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم

إذا غاب قلب المرء عن حفظ لفظه فيقظته للعالمين سبات

فلا بد أيضًا فهم الحفظ، فهم اللفظ، فهم الخبر، قال أبو عبيدة في مستمليه وكان قد ابتلي بكاتب مضيّع: كيسان يسمع غير ما أقول، ويقول غير ما يسمع ويكتب غير ما يقول ويقرأ غير ما يكتب ويحفظ غير ما يقرأ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت