عباد الله، لا يجوز نشر الأخبار دون تثبت وتأكد من صحة الخبر، وكفى بالمرء إثمًا أن يحدّث بكل ما سمع، وما أكثر الناس الذين يروون أخبارًا فإذا سألتهم من أين لكم هذه وعمّن رويتموها، أسقط في أيديهم، وتلعثمت ألسنتهم، لأنهم لم يأخذوها من مصادر موثوقة، بل كانت مجرد أوهام أو أفهام مغلوطة لبعض ما سمعوا، وبعضهم يشيع ويكتب في آخر الإشاعة: هكذا بلغني ولست متأكدًا، فلماذا تشيعه إذًا؟ مثل هذا يرفع إلى كما قال الله: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ} (النساء: من الآية83) ، ولو ردوه إلى من؟ أهل العلم، هؤلاء أهل العلم سيتثبتون منه، هؤلاء أولي الأمر الذين يأتون به على وجهه، هؤلاء أصحاب القدرات الذين يستنبطونه ويتقصون لمعرفة صحته، هؤلاء أصحاب الخبرة، وقد قال - سبحانه وتعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} (الحجرات:6) . والأخبار إذا سبقت إلى النفوس كان له محل فيها وأثر، وقد يفرح شخص لخبر أو يحزن منه، وهذه المشاعر له ما بعدها، وتؤثر في الأفعال، والآية تدل على حصول أحد أمرين: أما التثبت أو الندامة، والتثبت: هو تفريغ الوسع والجهد لمعرفة حقيقة الحال هل ثبت أم لا، والتبين التأكد من حقيقة الأخبار و ظروفه وملابساته، والمؤمن وقّاف كما قال الحسن - رحمه الله - حتى يتبين، وأصل العقل التثبت، وقد حرص الصحابة على ذلك وخصوصًا أيام الفتن، وقد حذرنا الله وذكرنا ووعظنا، في هذه الحواس التي آتانا إياها، {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا} (الاسراء:36) .
قال قتادة: لا تقل رأيت ولم تره، وسمعت ولم تسمعه، وعلمت ولم تعلم.
قال البغوي في التفسير: لا تتكلم بالحدس والظن.
قد يسمع الإنسان في العادة الصدق والكذب، فإذا حدث بكل ما سمع سيكون فيه بعض تحديثه كذب، وهذا معنى حديث (( كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا [أو إثمًا] أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ ) )
لأنه يسمع الحق والباطل، والصدق والكذب، فإذا حدث بكل ما يسمع فمعنى ذلك أنه سيكون في حديثه كذبٌ ولابد.
ومن حّدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحديث يُرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين، أو الكاذبَين، قال ابن حبان - رحمه الله - في قوله عليه الصلاة والسلام (( كفى بالمرء إثمًا ) ): زجر أن يحدث بكل ما سمع حتى يعلم علم اليقين صحته.
قال عبد الرحمن بن مهدي - رحمه الله: لا يكون الرجل إمامًا يُقتدى به حتى يمسك عن بعض ما سمع.