الصفحة 20 من 405

يقول القرافيّ: من أدب العبد مع ربّه إذا وعد ربّه بشيءٍ لا يخلفه إيّاه، لاسيّما إذا التزمه وصمّم عليه، فأدب العبد مع اللّه سبحانه وتعالى بحسن الوفاء وتلقّي هذه الالتزامات بالقبول.

لكن الوفاء به ليس بواجبٍ في الجملة.

جاء في بدائع الصنائع: (الوعد لا شيء فيه وليس بلازمٍ) .

وفي منتهى الإرادات: (لا يلزم الوفاء بالوعد نصًّا) .

وفي نهاية المحتاج: (لو قال: أؤدّي المال أو أحضر الشّخص، فهو وعد لا يلزم الوفاء به، لأنّ الصّيغة غير مشعرةٍ بالالتزام) [1] . إلاّ أنّه إذا كانت هناك حاجة تستدعي الوفاء بالوعد فإنّه يجب الوفاء به.

التزامات يباح الوفاء بها:

* الالتزامات الّتي تنشأ نتيجة العقود الجائزة بين الطّرفين، كالوكالة والشّركة والقراض، فهذه يجوز

لكلٍّ من الطّرفين فسخها وعدم الالتزام بمقتضاها، هذا مع مراعاة ما يشترطه بعض الفقهاء حين

الفسخ من نضوض رأس المال في المضاربة، وكتعلّق حقّ الغير بالوكالة [2] .

* نذر المباح: يقول القرطبيّ: نذر المباح لا يلزم بإجماعٍ من الأمّة، وقال ابن قدامة: نذر المباح، كلبس الثّوب وركوب الدّابّة وطلاق المرأة على وجهٍ مباحٍ، فهذا يتخيّر فيه النّاذر بين فعله فيبرّ، وإن شاء تركه وعليه كفّارة يمينٍ، ويتخرّج أن لا كفّارة عليه [3] .

التزامات يحرم الوفاء بها:

الالتزام بما لا يلزم لا يجب فيه الوفاء، بل قد يكون الوفاء حرامًا، وذلك إذا كان التزامًا بمعصيةٍ. ومن ذلك:

* نذر المعصية حرام باتّفاقٍ، فمن قال: للّه عليّ أن أشرب الخمر، أو أقتل فلانًا، فإنّ هذا الالتزام حرام في ذاته، وأيضًا يحرم الوفاء به، لقول النّبيّ - صلى الله عليه وسلم: ( .. وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ) [4] ، وفي

(1) الفروق للقرافي (3/ 95) ، البدائع (7/ 84، 85) ، منتهى الإرادات (3/ 456) ، نهاية المحتاج (4/ 441) .

(2) الأشباه لابن نجيم (1/ 336) ، الهداية (3/ 153) ، منح الجليل (3/ 342) ، جواهر الإكليل (2/ 177) ، المهذب (1/ 313) ، منتهى الإرادات (2/ 305) .

(3) القرطبي (6/ 32، 33) ، المغني (9/ 5) ، البدائع (5/ 82) .

(4) أخرجه البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت