فهرس الكتاب
ولقد زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلًا على تعليم القرآن وهو منفعة، وقال له:
(( زوجتكها بما معك من القرآن ) ) [1] ، وفي رواية: (( فقم فعلمها عشرين آية، وهي امرأتك ) ) [2] . قال الخطابي (ت: 388هـ) : «وليس في الحديث أنه جعل المهر دينًا عليه إلى أجل، فكان الظاهر أنه جعل تعليمه القرآن إياها مهرًا لها» [3] ، وأكد النووي (ت: 676هـ) هذا المعنى بقوله: «وفي هذا الحديث دليل لجواز كون الصداق تعليم القرآن» [4] ، ومن المعلوم أن تعليم القرآن منفعة، ولما كان الأصل الصداق أن يكون
مالًا، كانت المنفعة مالًا.
3 -إن الطبع يميل إليها، والمال: ما يميل إليه الطبع، وإنه ليسعى في ابتغائها وطلبها، وتنفق في سبيلها الأموال، ويقدم في سبيلها نفيس الأشياء ورخيصها، والمصلحة في التحقيق تقوّم بمنافع الأشياء لا بذواتها، فالذوات لا تصير أموالًا إلا بمنافعها، وتقاس بما فيها من منفعة، فما لا نفع فيه لا يكون مالًا [5] .
4 -قالوا: المنافع أموال؛ لإمكان حيازتها بحيازة أصلها، ولأنها المقصود من الأعيان، ولولاها لما طلبت [6] .
5 -وقالوا: إن إطلاق المال على المنافع أولى من إطلاقه على الأعيان؛ لأن الأشياء لا تسمى مالًا إلا لاشتمالها على المنافع، ولذلك لا يصح بيعها بدونها، ولا قيمة للعين إذا خلت عن المنفعة [7] .
6 -وقالوا: إن إتلاف منافع الأعيان إتلاف للأعيان نفسها؛ لأنه لا معنى لبقاء العين مع ذهاب منفعتها. قال ابن شاس (ت: 616هـ) : «وإذا كان قد أتلف على المالك المنفعة المقصودة من العين، فقد صار كمتلفها جملة إضافة إلى مقصوده، إذ الأعيان إنما تقصد وتقتنى لمنافعها، فذهاب المنفعة المقصودة من العين التي اقتنيت من أجلها، كذهاب العين جملة» [8] .
7 -وقالوا: إن المنافع هي المقصودة من الأعيان، ولا قيمة للأعيان بدونها، وإن أثمان الحاجات والأشياء تقاس بين الناس بمنافعها [9] .
يقول ابن قدامة: (ت: 620هـ) : «إن المعقود عليه المنافع، وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم: مالك وأبو حنيفة، وأكثر أصحاب الشافعي، وذكر بعضهم أن المعقود عليه العين؛ لأنها الموجودة، والعقد يضاف إليها، فيقول: أجرتك داري، كما يقول: بعتكها. ولنا: أن المعقود عليه هو المستوفى بالعقد، وذلك هو المنافع دون الأعيان، ولأن الأجر مقابل المنفعة، ولهذا تضمن دون العين، وما كان العوض في مقابلته فهو المعقود عليه، وإنما أضيف العقد إلى العين لأنها محل المنفعة ومنشؤها» [10] .
هذه أبرز أدلة الجمهور على مالية المنافع.
الترجيح:
من استعراض أدلة الفريقين، يترجح لدينا قول الجمهور، بأن المنافع أموال؛ لعدة أسباب:
1 -موافقة هذا الاتجاه للعرف الجاري في معاملات الناس، فإن قول الحنفية: المنافع ليست أموالًا؛ لأنها معدومة، غير مسلّم به، وذلك إذا نظرنا إلى
(1) أبو داود (2111) ، كتاب النكاح، باب في التزويج على العمل يعمل.
(2) أبو داود (2112) ، الكتاب والباب السابقان، ولقد رواه البخاري (5121) ، ومسلم (1425) عن سهل بن سعد بروايات مقاربة.
(3) معالم السنن (2/ 587) .
(4) شرح مسلم (9/ 226) .
(5) ر: الحقوق المعنوية (النشمي) المجلة (5) (3/ 2312) .
(6) ر: المدخل في التعريف بالفقه الإسلامي ص (332) ، ومقاصد الشريعة الخاصة بالتصرفات المالية ص
(7) ر: المرجع السابق (مقاصد الشريعة) ص (41) .
(8) عقد الجواهر (2/ 756) .
(9) ر: المدخل الفقهي (3/ 205) .
(10) المغني (6/ 7 - 8) .