تلك الأقوال، وذلك موافق لقول مشهور آخر في مذهب المالكية، حكاه ابن رشد القفصي من أئمة المالكية- في معرض كلامه عن حظر"بيوع الآجال"التي تعني القصد إلى ظاهر جائز ليتوصل به إلى باطل ممنوع- فقال:"وقد منع من ذلك مالك حسمًا للذريعة، والأصل أن تنظر إلى ماخرج من اليد، وما رجع إليها، وتقابل أحدهما بالآخر:"
-فإن كان مما لو ابتدأ المعاملة عليه جاز، فأجز.
-وإلا، فامنع؛ إن كان الوجه مما يكثر القصد إليه، كالبيع والسلف.
-وإن كان مما يقل، كضمان بجعل، فقولان مشهوران.
-وإن كان مما يبعد جدًا، كأسلفني وأسلفك، فالمشهور الجواز، خلافًا لابن الماجشون" [1] . [2] "
العنصرالثالث: (أن تكون منفعته مباحة شرعًا) .
تبين مما تقدم أن المنفعة في الالتزام مقصودة ومتقومة لكن يبقى النظر في مدى جواز هذه المنفعة شرعًا، فهل هي منفعة مباحة أو محرمة؟
أي أن تكون المنفعة مباحة في ذاتها، وليست محرمة أو وسيلة إلى محرم، كما يمكن القول بأن الحكم يختلف باختلاف القصد من شراء هذا الالتزام، فإذا كان غرضًا مباحًا كانت المنفعة مباحة، وإذا كان محرمًا كانت محرمة.
فإن كان هناك غرض حقيقي ومصلحة من شراء الالتزام فهو مباح، وفي المقابل من تملك الأسهم في المستقبل فهو نفع مقصود مباح، وإن كان لمجرد المجازفة والمخاطرة، وأخذ العوض، فقد يدخل ذلك في أكل المال بالباطل.
يقول ابن القيم: (إن المقصود الذي شرع الله تعالى له البيع وأحله لأجله هو أن يحصل ملك البائع للثمن، ويحصل ملك المبيع للمشتري، فيكون كل واحد منهما قد حصل له مقصوده بالبيع، هذا ينتفع بالثمن، وهذا بالسلعة، وهذا إنما يكون إذا قصد المشتري نفس السلعة للانتفاع بها أو التجارة فيها، وقصد البائع نفس الثمن ... فإذا كان مقصود كل
(1) لباب الألباب 5/ 478.
(2) مجلة البحوث الفقهية المعاصرة، العدد السبعون ص18.