وهذه القاعدة استند عليها الحنفية [1] ، والحنابلة [2] ، في التفريق بين ما يجوز الاعتياض عنه من الحقوق وما لا يجوز.
2 -أن الحق إن كان حقًا متقررًا فإنه يجوز المعاوضة عليه، ويعرَّف هذا الحق بأنه: الحق القائم بمحل مدرك بالحس، أو ما له تعلق بمحله تعلق استقرار، أي مستقر في محله، فلا يتغير حكم محله بالإسقاط والتنازل عنه، كحق القصاص، فإنه حق غير مالي لأن محله رقبة الجاني، ومع قيامه يكون غير معصوم بالنسبة لولي القصاص، وبإسقاطه لهذا الحق يتغير حكم المحل فيصبح القاتل معصوم الدم بعد أن كان مهدرًا [3] ، وعلى ذلك فيجوز لولي المقتول أخذ العوض المالي مقابل إسقاط حقه [4] .
-أما الحق المجرد (المحض أو غير المتقرر) فإنه لا يجوز المعاوضة عنه، ويعرَّف بأنه الحق الذي لم يقم بمحل، ولم يتقرر في ذات، أي لا يتغير حكم محله بالإسقاط والتنازل عنه، فلا يترك أثرًا بالتنازل عنه، بل يبقى محل الحق عند المكلف بعد التنازل كما كان قبل التنازل، كحق الدَّين، فإن محله ذمة المدين، فإذا أسقط الدائن الدين عن ذمة المدين فإن الذمة بعد الإسقاط كقبلها، فلا يترتب على ذلك الإسقاط أثر، وكحق الشُّفْعة فإنه حق غير مالي متعلق بمال وهو العقار، فإذا أسقط الشفيع حقه في الشفعة، فإن ملكية المشتري للعقار بعد الإسقاط كقبلها، وكحق الخيار، فإنه حق غير مالي متعلق بالمال [5] ، وهو المبيع، فإذا أسقط البائع حقه في الخيار مثلًا، فإن ملكية المشتري للمبيع بعد الإسقاط كقبلها [6] .
وقد انفرد فقهاء الحنفية بهذه القاعدة في التفريق بين ما يجوز المعاوضة عليه من الحقوق وبين ما لا يجوز [7] .
(1) الأشباه والنظائر لابن نجيم: ص212، المدخل للفقه الإسلامي لمدكور: ص435.
(2) المغني: 4/ 322، ط: دار الفكر.
(3) حاشية ابن عابدين: 6/ 241 ط: دار الفكر.
(4) مجمع الأنهر: 4/ 118 ط: دار الكتب العلمية، المدخل للفقه الإسلامي لمدكور: ص435.
(5) الأشباه والنظائر لابن نجيم: ص212، حاشية ابن عابدين: 4/ 518 ط: دار الفكر.
(6) المدخل للفقه الإسلامي لمدكور: ص435.
(7) الأشباه والنظائر لابن نجيم: ص212، بدائع الصنائع: 6/ 49، حاشية ابن عابدين: 4/ 518 ط: دار الفكر.