مِلْكٍ فِي أَعْيَانٍ بِغَيْرِ عِوَضٍ. وَأَمَّا الإِسْقَاطُ فَهُوَ إمَّا بِعِوَضٍ كَالْخُلْعِ وَالْعَفْوِ عَلَى مَالٍ وَالْكِتَابَةِ وَبَيْعِ الْعَبْدِ مِنْ نَفْسِهِ وَالصُّلْحِ عَلَى الدَّيْنِ وَالتَّعْزِيرِ فَجَمِيعُ هَذِهِ الصُّوَرِ يَسْقُطُ فِيهَا الثَّابِتُ وَلا يَنْتَقِلُ إلَى الْبَاذِلِ مَا كَانَ يَمْلِكُهُ الْمَبْذُولُ لَهُ مِنْ الْعِصْمَةِ وَبَيْعِ الْعَبْدِ وَنَحْوِهِمَا وَإِمَّا بِغَيْرِ عِوَضٍ كَالإِبْرَاءِ مِنْ الدُّيُونِ وَالْقِصَاصِ" [1] "
وقد اجتهد الفقهاء المتقدمين على اختلاف مذاهبهم في وضع قواعد فيما يجوز المعاوضة عليه من هذه الحقوق وما لايجوز، ومن أبرز هذه القواعد:
1 -أن الحقوق التي ثبتت لأصحابها على وجه دفع الضرر فإنه لا يجوز المعاوضة عليها، كحق الشفعة، فإنه حق ثابت للشريك لدفع الضرر عنه، والأصل إن البائع له الحق في بيع ملكه لمن شاء، ولا حق للشريك في التدخل بين البائعين. لأن هذه الحقوق إنما ثبتت لصاحبها لدفع الضرر عنه، فإن تنازل عنها لآخر ظهر أنه لا ضرر له عند عدمه، فيرجع الأمر إلى الأصل، وهو عدم ثبوت الحق له، فلا يجوز له أن يطالب على ذلك بعوض، وعلى ذلك فإن الشفيع مثلًا لا يجوز له أخذ العوض عن إسقاطه حقه في الشفعة، لانتفاء وقوع الضرر عليه في البيع الذي كان سببًا لثبوت هذا الحق.
-وأما الحقوق التي ثبتت لأصحابها أصالة، لا على وجه دفع الضرر، فإنه يجوز المعاوضة عليها عن طريق الصلح والتنازل بمال لا عن طريق البيع، فلا يجوز لولي القتيل بيع حق القصاص لغيره ليستوفيه بدله؛ لأن هذه الحقوق إنما أثبتها الشارع لرجل مخصوص بصفة مخصوصة، مهما تنتفِ هذه الصفة تنعدم الحقوق، ولكن يجوز الاعتياض عنها بطريق الصلح والتنازل بمال، أي أن المستحق يمسك عن استعمال حقه بعوض يأخذه ممن يتضرر باستعمال ذلك الحق، فولي القتيل يباح له أن يصالح القاتل على مال مقابل إمساكه عن استيفاء حقه، وإنما يبذله القاتل دفعًا لضرر الموت عن نفسه، وهذا الأمر جائز بالإجماع [2] .
(1) الفروق: 3/ 110.