الصفحة 15 من 22

والتعليل بقصد التحسين لا يصلح علةً للتحريم - أيضًا - لأنا نشهد من الشارع اعتبار قصد التحسين والتجميل لا المنع منه كما تقدَّم. [1]

ثم إنّ أهل العلم اختلفوا في المعنى الممنوع في النمص والوصل ونحوها، فقيل: مُنع الوصل لأنّ فيه استعمالًا لجزء آدمي [2] ، وقيل لأجل ما فيه من تدليس وخداع. [3]

وقيل في النمص المحرم أن المراد به هو التبرج والتزين للأجانب [4] ، أو ما كان بدون إذن الزوج [5] ، أو للتدليس، أو للتشبّه بالفاجرات. [6]

ومادام أن أهل العلم قد اختلفوا في العلة التي من أجلها ورد النهي، لم يَسُغ بعد ذلك توحيد علة المنع، مع ما تقدَّم من المراد بتغيير خلق الله تعالى.

وكذلك فإن الأضرار والمضاعفات والغش والتدليس التي من أجلها حرّم بعض المعاصرين العمليات التحسينيّة بإطلاق ليست قاعدة مطردة في كل العمليات التحسينيّة بل قد تقع في هذه العمليات أحيانًا وقد لا تقع، وهي مع ذلك أمور خارجة عن نفس العمليات فيكون التحريم لها لا لنفس الجراحة، إلا إذا رافقتها.

ومن جميع ما تقدَّم فإني أرى أنّ الاتجاه الثاني الذي يجعل لكل نوع من العمليات التحسينيّة حكمًا يناسبه حسبما تدل عليه الأدلّة ويبقى الباقي على أصل الإباحة، أولى من تعميم الأحكام على صور مختلفة.

ويشهد لهذه النتيجة ما ورد أنّ المقداد بن الأسود - رضي الله عنه - كان عظيم البطن وكان له غلام روميّ، فقال له: أشق بطنك فأخرج من شحمه حتى تلطف، فشقّ بطنه ثم خاطه، فمات المقداد وهرب الغلام. [7]

وهذا نوع من العمليات التجميليّة التحسينيّة. والله أعلم.

(1) انظر: المرجع السابق ص 218.

(2) الفتاوى الهندية (5/ 358) .

(3) مغني المحتاج (1/ 191) ؛ كشاف القناع (1/ 81) .

(4) البحر الرائق (8/ 233) .

(5) مغني المحتاج (1/ 191) .

(6) الإنصاف (1/ 126) .

(7) نقله في الإصابة (6/ 161) وقال: أخرجه يعقوب بن سفيان وابن شاهين من طريقه بسنده إلى كريمة زوج المقداد، به. ولم أجده في كتاب المعرفة والتاريخ وإن كان محققه قد ذكره من النصوص المنسوبة إلى الكتاب والتي لم يجدها في مخطوطته وأمّا كتاب ابن شاهين فلم أقف عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت