ولذا اختار الطبري المعنى الأول للآية إذ يقول: (وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك قول من قال معناه دين الله وذلك لدلالة الآية الأخرى على أنّ ذلك معناه وهي قوله: {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيّم} . [سورة الروم: 30] وإذا كان ذلك معناه دخل في ذلك فعل كل ما نهى الله عنه من خصاء ما لا يجوز خصاؤه، ووشم ما نهي عن وشمه، ووشره، وغير ذلك من المعاصي ودخل فيه ترك كل ما أمر الله به، لأن الشيطان لا شَكّ أنه يدعو إلى جميع معاصي الله وينهى عن جميع طاعته) . [1]
فيكون معنى الآية: أنَّ الشيطان يأمرهم بالكفر، وتغيير فطرة الإسلام التي خلقهم الله عليها وأن معنى قوله تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفًا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} أي لا تبدلوا فطرة الله التي خلقكم عليها بالكفر. [2]
وبيانه أكثر يتضح بمعرفتنا لمعنى الخلق، ومعنى التغيير.
فالخلق قد يراد به مخلوق الله كما في قوله تعالى: {ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت} [سورة الملك: 3] أي: هو مستوٍ لا اختلاف فيه ولا نقص ولا عيب.
وكقوله تعالى: {هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه} . [سورة لقمان: 11] .
ويأتي الخلق بمعنى التقدير كما في قوله تعالى: {يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقًا من بعد خلق في ظلمات ثلاث} . [سورة الزمر: 6] أي: قدّركم في بطون أمهاتكم.
ويأتي الخلق بمعنى الفطرة التي خلق الله تعالى عليها عبادة كقوله تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفًا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} . [سورة الروم: 30] .
قال ابن كثير: (أي: فسدّد وجهك واستمر على الدين الذي شرعه الله لك .. وأنت مع ذلك لازم فطرتك السليمة التي فطر الله الخلق عليها، فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده وأنّه لا إله غيره، وفي الحديث:(( إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم ) ).
وقوله تعالى: {لا تبديل لخلق الله} قال بعضهم: معناه لا تبدلوا خلق الله فتغيروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها فيكون خبرًا بمعنى الطلب وهو معنى حسن صحيح، وقال آخرون: هو خبر على بابه ومعناه أنه تعالى ساوى بين خلقه كلهم في الفطرة على الجبلة المستقيمة، لا يولد أحد إلا على ذلك .. ولهذا قال ابن عباس وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك وابن زيد في قوله:
(1) تفسير الطبري (9/ 222) .
(2) أضواء البيان للشنقيطي (1/ 366) .