فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 102

فَإمَّا قَادِحٌ في التَّوْحِيْدِ بالأسْبَابِ، وإمَّا مُنْكِرٌ للأسْبَابِ بالتَّوْحِيْدِ، وذَانِ طَرَفَانِ مَذْمُوْمَانِ شَرْعًا وعَقْلًا، فَهُما طَرَفَا نَقِيْضٍ لا يَجْتَمِعَانِ ولا يَتَّفِقَانِ!

وأمَّا الوَسَطُ فَهُم أهْلُ الحَقِّ الَّذِيْنَ جَرَّدُوا التَّوْحِيْدَ لله تَعَالى وأخَذُوا بالأسْبَابِ، ورَبَطُوا بَيْنَهُما بمُقْتَضَى الشَّرْعِ والعَقْلِ .

لأنَّ التَّعَلُّقَ بالأسْبَابِ وَحْدَهَا شِرْكٌ في التَّوْحِيْدِ، وإنْكَارُهَا طَعْنٌ في الحِكْمَةِ والعَقْلِ، فكَانَ الحَقُّ تَجْرِيْدَ التَّوْحِيْدِ لله تَعَالى والتَّوَكُّلَ عَلَيْهِ، مَعَ الأخْذِ بالأسْبَابِ وإثْبَاتِها، والله المُوَفِّقُ للصَّوَابِ .

وباخْتِصَارٍ؛ فَقَدْ جَرَى خِلافُ النَّاسِ بَيْنَ تَجْرِيْدِ التَّوْحِيْدِ والأخْذِ بالأسْبَابِ، على ثَلاثَةِ أقْسَامٍ، كَمَا يَلي:

القِسْمُ الأوَّلُ: تَجْرِيْدُ التَّوْحِيْدِ، وإثْبَاتُ الأسْبَابِ، وهَذَا الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الشَّرَائِعُ، كَمَا هُوَ حَالُ المُوَحِّدِيْنَ .

القِسْمُ الثَّاني: تَجْرِيْدُ التَّوْحِيْدِ، وإنْكَارُ الأسْبَابِ بالكُلِّيَّةِ، كَمَا هُوَ حَالُ الضَّالِيْنَ .

القِسْمُ الثَّالِثُ: تَجْرِيْدُ الأسْبَابِ، والاعْتِمَادُ عَلَيْهَا بالكُلِّيَّةِ، كَمَا هُوَ حَالُ المُشْرِكِيْنَ على اخْتِلافِ أصْنَافِهِم ومِلَلِهِم .

لِذَا كَانَتْ مَسْألَةُ: هَلْ للحَرَكاَتِ الفَلَكِيَّةِ العُلْوِيَّةِ سَبَبٌ في الحَوَادِثِ الأرْضِيَّةِ؟ مِدْعَاةً وتَنْبِيْتًا للغُلُوِّ والإفْرَاطِ، ممَّا كَانَ أيضًا سَبَبًا في الانْحِرَافِ عَنْ جَادَةِ أهْلِ السُّنَّةِ في تَحْقِيْقِ النَّظَرِ إلى تَجْرِيْدِ التَّوْحِيْدِ وإثْبَاتِ الأسْبَابِ، فَكَانُوا والحَالَةُ هَذِهِ طَوَائِفَ ثَلاثٍ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت