فهرس الكتاب
وقَالَ أيضًا (35/172) : «وهَكَذَا المُنَجِّمُونَ؛ حَتَّى إنِّي خَاطَبْتُهُمْ بِدِمَشْقَ وحَضَرَ عِنْدِي رُؤَسَاؤُهُمْ، وبَيَّنْت فَسَادَ صِنَاعَتِهِمْ بِالأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ الَّتِي يَعْتَرِفُونَ بِصِحَّتِهَا قَالَ رَئِيسٌ مِنْهُمْ: والله إنَّا نَكْذِبُ مِائَةَ كِذْبَةٍ حَتَّى نَصْدُقَ في كَلِمَةٍ!
وذَلِكَ أنَّ مَبْنَى عِلْمِهِمْ عَلَى أنَّ الحَرَكَاتِ العُلْوِيَّةَ هِيَ السَّبَبُ في الحَوادِثِ، والعِلْمُ بِالسَّبَبِ يُوجِبُ العِلْمَ بِالمُسَبَّبِ وهَذَا إنَّمَا يَكُونُ إذَا عُلِمَ السَّبَبُ التَّامُّ الَّذِي لا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ حُكْمُهُ وهَؤُلاءِ أكْثَرُ مَا يَعْلَمُونَ ـ إنْ عَلِمُوا ـ جُزْءًا يَسِيرًا مِنْ جُمْلَةِ الأسْبَابِ الكَثِيرَةِ ولا يَعْلَمُونَ بَقِيَّةَ الأسْبَابِ ولا الشُّرُوطَ ولا المَوانِعَ» انْتَهى .
وقَالَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله في مِفْتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ (3/43-52) رَدًّا على الَّذِيْنَ يَزْعُمُوْنَ أنَّهُم يَعْلَمُوْنَ جَمِيْعَ الأسْبَابِ والمُؤثِّرَاتِ: «في الكَلامِ على بُطْلانِ عِلْمِ الأحْكَامِ أنَّ مَعْرِفَةَ جَمِيْعِ المُؤثِّرَاتِ الفَلَكِيَّةِ مُمْتَنِعَةٌ، وإذَا كَانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ الاسْتِدْلالُ بالأحْوَالِ الفَلَكِيَّةِ على حُدُوْثِ الحَوَادِثِ السُّفْلِيَّةِ، وإنَّما قُلْنَا أنَّ مَعْرِفَةَ جَمِيْعِ المُؤثِّرَاتِ الفَلَكِيَّةِ مُمتَنِعَةٌ لوُجُوْهٍ، (ثُمَّ ذَكَرَهَا) :
مِنْهَا: أنَّ تَأثِيْرَ الكَوَاكِبِ فِيْما ذَكَرْتُم مِنَ السَّعْدِ والنَّحْسِ، إمَّا بالنَّظَرِ في مُفْرَدِهِ وإمَّا بالنَّظَرِ إلى انْضِمَامِهِ إلى غَيْرِهِ فَمَتَى لم يُحِطْ المُنَجِّمُ بهَاتَيْنِ الحَالَتَيْنِ لم يَصِحْ مِنْهُ أنْ يَحْكُمَ لَهُ بتَأثِيرٍ، ولم يَحْصُلْ إلَّا على تَعَارُضِ التَّقْدِيْرِ!