فهرس الكتاب
فالَّذِي جَاءَتْ بِهِ شَرِيْعَتُنا أكْمَلُ الأمُوْرِ؛ لأنَّه وقَّتَ الشَّهْرَ بَأمْرٍ طَبِيْعِيٍّ ظَاهِرٍ عَامٍّ يُدْرَكُ بالأبْصَارِ، فَلا يَضِلُّ أحَدٌ عَنْ دِيْنِهِ، ولا يُشْغِلُهُ مُرُاعَاتُهُ عَنْ شَيءٍ مِنْ مَصَالحِهِ، ولا يَدْخُلُ بسَبَبِهِ فيما لا يَعْنِيْهِ، ولا يَكُوْنُ طَرِيْقًا إلى التَّلْبِيْسِ في دِيْنِ الله، كَما يَفْعَلُ بَعْضُ عُلَماءِ أهْلِ المِلَلِ بمِلَلِهِم [1] .
وظَهَرَ بذَلِكَ أنَّ الأمَّةَ المَذْكُوْرَةَ في هذا الحَدِيْثِ: هِيَ صِفَةُ مَدْحٍ وكَمالٍ، مِنْ وُجُوْهٍ:
مِنْ جَهَةِ الاسْتِغْنَاءِ عَنِ الكِتَابِ والحِسَابِ، بِما هُو أبْيَنُ مِنْهُ وأظْهَرُ، وهُو الهِلالُ .
ومِنْ جَهَةِ أنَّ الكِتَابَ والحِسَابَ هُنَا يَدْخُلُهُما غَلَطٌ .
ومِنْ جِهَةِ أنَّ فيهِما تَعَبًا كَثِيْرًا بِلا فَائِدَةٍ، فَإنَّ ذَلِكَ شُغُلٌ عَنِ المَصَالِحِ، إذْ هَذَا مَقْصُوْدٌ لغَيْرِهِ لا لنَفْسِهِ، وإذَا كَانَ نَفْيُ الكِتَابِ والحِسَابِ عَنْهُم للاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بخَيْرٍ مِنْهُ، وللمَفْسَدِةِ الَّتِي كَانَ فيهِ الكِتَابُ والحِسَابُ في ذَلِكَ نَقْصًا وعَيْبًا، بَلْ سَيِّئَةً وذَنْبًا، فَمَنْ دَخَلَ فيهِ فَقَدْ خَرَجَ عَنِ الأمَّةِ الأمِّيَّةِ فيما هُو مِنَ الكَمالِ والفَضْلِ السَّالمِ عَنِ المَفْسَدَةِ، ودَخَلَ في أمْرٍ نَاقِصٍ يُؤدِّيْهِ إلى الفَسَادِ والاضْطِرَابِ .
ولهَذَا قَالَ مَنْ قَالَ: إنَّ كَلامَ هَؤلاءِ بَيْنَ عُلُوْمٍ صَادِقَةٍ لا مَنْفَعَةَ فيهَا، ونَعُوْذُ بالله مِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ، وبَيْنَ ظُنُوْنٍ كَاذِبَةٍ لا ثِقَةَ بِها، وأنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ، ولَقَدْ صَدَقَ!
(1) انْظُرْ: «مَجْمُوَع الفَتَاوَى» لابنِ تَيْمِيَّةَ (25/139) ، و «فَتْحَ البَارِيِ» لابنِ حَجَرٍ (4/163) ، و «فَيْضَ القَدِيْرِ» للمُنَاوِي (2/696) .