فهرس الكتاب
فإنَّ الإنْسَانَ الحَاسِبَ إذَا ضَيَّعَ نَفْسَهُ في حِسَابِ الدَّقَائِقِ والثَّواني كَانَ غَايَتُهُ مَا لا يُفيدُ، وإنَّما تَعِبُوا عَلَيْهِ لأجْلِ الأحْكَامِ، وهِيَ ظُنُوْنٌ كَاذِبَةٌ .
مَعَ تَعْبٍ وتَضْيِيْعِ زَمَانٍ كَثِيْرٍ، واشْتِغَالٍ عَمَّا يَعْنِي النَّاسَ، ومَا لابَدَّ لَهُ مِنْهُ، ورُبَّما وقَعَ فيهِ الغَلَطُ والاخْتِلافُ .
أمَّا الكَلامُ في الشَّرْعِيَّاتِ فإنْ كَانَ عِلمًا كَانَ فيهِ مَنْفَعَةُ الدُّنْيَا والآخِرَةِ، وإنْ كَانَ ظَنًّا مِثْلَ الحُكْمِ بشَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ، أو العَمَلِ بالدَّلِيْلِ الظَّنِّي الرَّاجِحِ فَهُو عَمَلٌ بعِلْمٍ، وهُو ظَنٌّ يُثَابُ عَلَيْهِ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ [1] .
يَقُوْلُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله في «مِفْتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ» (3/ 226) : وأمَّا أسْبَابُ الكُسُوْفِ وحِسَابُه والنَّظَرُ في ذَلِكَ، فَإنَّه مِنَ العِلْمِ الَّذِي لا يَضُرُّ الجَهْلُ بِهِ، ولا يَنْفَعُ نَفْعَ العِلْمِ بِما جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، فَفَرْقٌ بَيْنَ هُذَا العِلْمِ وبَيْنَ عُلُوْمِ هَؤلاءِ .
وقَدْ بيَّنَّا أنَّ غَايَةَ هَذَا ـ لَوْ صَحَّ وسَلِمَ مِنَ الخَلَلِ جَمِيْعِهِ ولا سَبِيْلِ إلَيْهِ ـ لَكَانَ جُزْءَ السَّبَبِ والعِلَّةِ، والحُكْمُ لا يُضَافُ إلى جُزْءِ سَبَبِهِ، ثُمَّ لَوْ كَانَ سَبَبًا تَامًّا فَصَوارِفُهُ ومَوانِعُهُ لا تَدْخُلُ تَحْتَ الضَّبْطِ ألْبتَّةَ، والحُكْمُ إنَّما يُضَافُ إلى وُجُوْدِ سَبَبِهِ التَّامِ وانْتِفَاءِ مَانِعِهِ .
وهَذِهِ الأسْبَابُ والمَوانِعُ، ممَّا لا تَدْخُلُ تَحْتَ حَصْرٍ ولا ضَبْطٍ إلا لمَنْ أحْصَى كُلَّ شَيءٍ عَدَدًا، وأحَاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلْمًا، لا إلَهَ إلا هُو عَلامُ الغُيُوْبِ! انْتَهَى .
(1) انْظُرْ: «مَجْمُوَع الفَتَاوَى» لابنِ تَيْمِيَّةَ (25/136، 174، 201) باخْتِصَارٍ .