فهرس الكتاب
مِنْهَا: ظُهُوْرُ التَّصَرُّفِ في هَذَيْنِ الخَلْقَيْنِ العَظِيْمَيْنِ، وإزْعَاجُ القُلُوْبِ الغَافِلَةِ، وإيْقَاظُها، وليَرَ النَّاسُ أنْمُوْذَجَ القِيَامَةِ، وكَوْنُهُما يَفْعَلُ بِهِما ذَلِكَ، ثُمَّ يُعَادَانِ فَيَكُوْنُ تَنْبِيْهًا على خَوْفِ المَكْرِ، ورَجَاءِ العَفْوِ، والإعْلامِ بَأنَّه قَدْ يُؤْخَذُ مَنْ لا ذَنْبَ لَهُ؛ فَكَيْفَ بمَنْ لَهُ ذَنْبٌ؟ وقَالَ الزَّمخشَريُّ فَقَالُوا: حِكْمَةُ الكُسُوْفِ أنَّه تَعَالى مَا خَلَقَ خَلْقًا إلَّا قَيَّضَ لَهُ تَغْيِيْرَهُ، أو تْبْدِيْلَهُ ليَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ على أنَّ لَهُ مُسَيِّرًا، ومُبَدِّلًا؛ ولأنَّ النَّيِّرَيْنِ يُعْبَدَانِ مِنْ دُوْنِ الله تَعَالى فَقَضَى عَلَيْهِما بسَلْبِ النَّوْرِ عَنْهُما لأنَّهما لَوْ كَانَا مَعْبُوْدَيْنِ لدَفَعَا عَنْ نَفْسَيْهِما مَا يُغَيِّرُهُما ويَدْخُلُ عَلَيْهِما . انْتَهَى .
وكُلُّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ التَّخْوِيْفِ الجَالِبِ لعَظَمَةِ الله تَعَالى لا يَتَحَقَّقُ إلَّا بالنَّظَرِ إلى الشَّمْسِ حَالَ كُسُوْفِهَا بالعَيْنِ المُجَرَّدَةِ .
ومَنِ ادَّعَى أنَّ التَّخْوِيْفَ يَصْدُقُ أيْضًا لمَنْ لم يَنْظُرْ إلَيْهَا اعْتِمادًا على الحِسَابَاتِ الفَلَكِيَّةِ، قُلْنَا لَهُ: لا شَكَّ أنَّ هَذِهِ مُكَابَرَةٌ، ومُخَالَفَةٌ للفِطَرِ السَّلِيْمَةِ، لأنَّ الخَوْفَ مِنَ الله تَعَالى عِبَادَةٌ مُلازِمَةٌ لله في جَمِيْعِ الأحْوَالِ السَّرَّاءِ مِنْهَا والضَّرَاءِ، ولَوْ كَانَ كَذَلِكَ لم يَكُنْ للكُسُوْفِ مَعْنىً للتَّخْوِيْفِ إلَّا إذَا قُلْنَا أنَّ هُنَاكَ تَخْوِيْفًا خَاصًّا زَائِدًا على التَّخْوِيْفِ العَام؛ وهُوَ مَا يَظْهَرُ ويَتَحَقَّقُ عِنْدَ النَّظَرِ إلى الشَّمْسِ حَالَ كُسُوْفِهَا، والله أعْلَمُ .