وأنَّ القَمَرَ لا يَخْسِفُ إلَّا وقْتَ الإبْدَارِ (اللَّيَالي البِيْضَ) ، على مُحَاذَاةٍ مَضْبُوْطَةٍ لتَحَوُّلِ الأرْضِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشَّمْسِ، فالقَمَرُ لا يَخْسِفُ إلَّا في هَذِهِ اللَّيَالي، والهِلالُ يَسْتَسِرُّ آخِرَ الشَّهْرِ: إمَّا لَيْلَةً وإمَّا لَيْلَتِيْنَ، كَما يَسْتَسِرُّ لَيْلَةَ تِسْعٍ وعِشْرِيْنَ، أو لَيْلَةَ ثَلاثِيْنَ، والشَّمْسُ لا تَكْسِفُ إلَّا وقَتْ اسْتِسْرَارِهِ، فمَنْ ظَنَّ غَيْرَ ذَلِكَ فَهُو غَالِطٌ!
فَحِيْنَئِذٍ لَيْسَ مَعْرِفَةُ حِسَابِ الكُسُوْفِ والخُسُوْفِ بِدْعًا مِنَ العِلْمِ، لأنَّهُ عِلْمٌ مُتَوقِّفٌ على الحِسَابِ كغَيْرِهِ، مِثْلُ العِلْمِ بأوْقَاتِ الفُصُوْلِ: كأوَّلِ الرَّبِيْعِ، والصَّيْفِ، والخَرِيْفِ، والشِّتَاءِ، وذَلِكَ عِنْدَ مُحَاذَاةِ الشَّمْسِ أوائِلَ البُرُوْجِ، الَّتِي يَقُوْلُوْنَ فيهَا: إنَّ الشَّمْسَ نَزَلَتْ في بُرْجِ كَذَا؟ أي: حَاذَتْهُ!
لِذَا فَقَدْ كَانَ مِنَ العِلْمِ الصَّحِيْحِ أنَّ للشَّمْسِ والقَمَرِ لَيَالٍ مُعْتَادَةً، مَنْ عَرَفَهَا عَرَفَ وقْتَ الكُسُوْفِ والخُسُوْفِ، كَما أنَّ مَنْ عَلِمَ كَمْ مَضَى مِنَ الشَّهْرِ يَعْلَمُ أنَّ الهِلالَ يَطْلَعُ في اللَّيْلَةِ الفُلانِيَّةِ أو الَّتِي قَبْلَهَا، ولَيْسَ خَبَرُ الحَاسِبِ بذَلِكَ مِنْ بِابِ عِلْمِ الغَيْبِ، ولا مِنْ بَابِ مَا يُخْبِرُ بِهِ أهْلُ التَّنْجِيْمِ، فَإنَّ ذَلِكَ: قَوْلٌ بِلا عِلْمٍ، وادِّعَاءٌ بَاطِلٌ [1] .
(1) انْظُرْ: «الفَتَاوَى الكُبْرَى» لابنِ تَيْمِيَّةَ (4/424 ،426) .