الصفحة 139 من 384

بأنه الحق والصواب وأنه سبيل الرشاد، وما عداه خطأ وضلال وباطل. وهذا ما حكاه القرآن الكريم عن فرعون بعد أن ملأ الغرور والتَّكبُّر كل جوارحه، فقال وبعد أن سمع نصيحة الرجل المؤمن: {يَا قَوْمِ لَكُمْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَاسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} [1] .

فحصر فرعون الرشد والرشاد في نفسه وفي رأيه، وأن ما يختاره هو الصواب والرشاد وما عداه مجانب لذلك، وإن توفر في الرأي الآخر الإخلاص والصدق كما كان الحال مع مؤمن آل فرعون. مع أن الحقيقة ليست كذلك فالمستبد برأيه في الغالب غير موفق للصواب في الأمر لذا جاء الندب في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على الاستشارة والمشاورة -وهو ما سيأتي فيما بعد- وذلك لما للاستبداد بالرأي من آثار سيئة تعود على نفس الحاكم، وتؤدي في نهاية المطاف إلى طغيانه، وفرض كل ما يراه على الآخرين، واعتباره صوابًا ورشدًا. وهذا ما تبينه الآية الآتية من أن المستبد غير موفق للرشاد، قال تعالى؛ {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} [2] .

لكن على الرغم من ذلك فإن فرعون هو الزعيم، وإذا قرر الزعيم أمرًا كما يقول الشيخ القرضاوي:"فليس لأحد من حق أن يسأله: لم؟ بله أن يقول له: لا، فليس في الشعب أحد مثله ذكاء وعقلًا، وشفافية قلب، وحسن إدراك للعواقب، وإحاطة بالأمر من جميع الجوانب، فهو العلامة في كل فن، والفهامة في"

(1) سورة غافر/29. وما أكثر مثل هذه الشعارات في عالم اليوم، فإذا قال الرئيس قال الشعب.

(2) سورة هود/96 - 97.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت