فهرس الكتاب
فالحرص على كرسي الحكم كثيرًا ما يدفع الإنسان إلى ارتكاب كل قبيحة تضمن له البقاء لمدة أطول عليه. وهذا ما دفع فرعون وملأه إلى رفض دعوة موسى - عليه السلام - واتهامه بأنه طالب حكم وسلطان، وإلى التَّهديد بالقتل وغيره، حيث يتم تفسير كل دعوة إصلاحية في المجتمع الطاغوتي بأنها دعوة إلى الانقلاب على نظام الحكم. قال تعالى حكاية عن فرعون وملئه: {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ} [1] . أي: تكون لكما العظمة والملك والسلطان.
وقد ذكر المفسرون أقوالًا كثيرة في أن الذي دفع النمرود وغيره للوصول إلى درجة الطُّغيان وادعاء الرُّبُوبيَّة هو الحرص على كرسي الحكم، وطول البقاء أو المكث في السُّلطة، من هذه الأقوال: ما قاله الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى:"ومعنى قوله: (ألم تر) . أي: بقلبك يا محمَّد إلى الذي حاج إبراهيم في ربه، أي: وجود ربه. وذلك أنه أنكر أن يكون ثم إله غيره، كما قال بعده فرعون لملئه: ما علمت لكم من إله غيري، وما حمله على هذا الطُّغيان والكفر الغليظ والمعاندة الشديدة إلا تجبره وطول مدته في الملك، وذلك أنه يقال: إنه مكث أربعمائة سنة في ملكه، ولهذا قال: أن أتاه الله الملك" [2] .
(1) سورة يونس/78.
(2) ابن كثير، تفسير ابن كثير، ج1، ص314. وهذه الروايات المنقولة في كتب التَّفسير، والتي تفيد بأن الملك الفلاني قد حكم أربعمائة سنة لا يمكن التأكد من صحتها ولا سيما أن الرقم نفسه قد تكرر مع أكثر من واحد. فإضافة إلى نمرود فقد ذكر الرقم مع فرعون أيضًا كما يذكر ذلك عامة المفسِّرين، انظر، الطبري، جامع البيان، ج1، ص272. وكذا ذكر الرقم مع تبع الأول، انظر ذلك في: المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر (د. م: دار الكتاب اللبناني -مكتبة المدرسة، ط1، 1982م، 1402م) ، ج1، ص392. ثم نفس الرقم ذكروه لمدة بقاء البعوضة في خيشم نمرود، انظر، الطبري، جامع البيان، ج1، ص113، وكذا ذكر نفس الرقم مع: مدة بناء نوح عليه السلام للسفينة، انظر، الطبري، تاريخ الطبري، ج1، ص172 - 173، وغير ذلك.