الصفحة 150 من 384

النَّاس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [1] . فغياب الحكمة عن الحاكم يخرجه عن جادة الصواب، ويدخله في متاهات الطُّغيان، وإن كان الحاكم مسلمًا مؤمنًا، والتاريخ خير شاهد على ما نذكره من وصول كثير من الحكام المسلمين إلى مرتبة الطُّغيان والاستبداد.

وبخلاف ذلك فإن اتصاف الحاكم بالحكمة يبعده عن الطُّغيان والاستبداد، وإن كان الحاكم كافرًا مشركًا بالله تعالى، وهذا ما يشير إليه القرآن الكريم بصراحة من خلال نموذج ملكة سبأ، فرغم كفرها وشركها بالله سبحانه فقد اتصفت بالحكمة مما أبعدها عن الطُّغيان والاستبداد في ممارسة الحكم. فها هي تشرك غيرها في الأمر، ولا تتخذ القرارات لوحدها. فلم يصدر عنها ما صدر عن فرعون موسى والفراعنة من بعده: {قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} [2] . وإنما قالت: {قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ} [3] .

وبحكمتها فقد فطنت إلى أن الملك إن لم يقترن بالحكمة والعدل مؤدٍ إلى الظُّلم والطُّغيان، وإلى استعباد وتذليل الآخرين، والإفساد في الأرض، لذا أفصحت للملأ عن طبيعة الملك والملوك كما نقله القرآن الكريم حكاية عنها: قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً

(1) سورة البقرة/251.

(2) سورة غافر/29.

(3) سورة النمل/32.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت