الصفحة 152 من 384

دور السُّلطة في طغيانه وهو على شكل محاورة:"ولكن ألا ينبغي أن نعزو إليه، بالإضافة إلى ذلك تلك الشرور التي تحدثنا عنها من قبل، وهي أن السُّلطة تنمي كل مساوئه، وتجعله أشد حسدًا وغدرًا وظلمًا، وأقل أصدقاء، وأشد فجرًا، وأمعن في احتضان كل الرذائل. كل ذلك يجعل منه أتعس النَّاس قاطبة، بل إن تعاسته هذه تفيض أيضًا على كل من يحيط به" [1] .

سادسًا: الشُّعُور بالاستغناء عن الآخرين

هناك عوامل كثيرة تجعل الطَّاغية يصل إلى درجة يشعر معها أنه قد استغنى عن الآخرين، لذا فهو لا يرى إلا نفسه، وينظر إلى الآخرين نظرة السيد لعبيده، والمالك لمملوكه. ومن الأمور التي تجعل الطَّاغية يصل إلى هذه الدرجة الثروة، قال تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [2] .

والثروة بحد ذاتها ليست سببًا من أسباب الطُّغيان، سواء طغيان الحاكم أو طغيان الإنسان العادي. وإنما الذي يجر الإنسان إلى الطُّغيان، هو وصوله إلى درجة يشعر معها أنه قد استغنى، أو وصل إلى درجة الاستغناء عن كل من حوله بل حتى عن الله سبحانه وتعالى، لذا جاء التعبير القرآني دقيقًا في ذلك فقال تعالى: (أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) . ولم يقل إن استغنى أو أصبح غنيًا، والواقع يدل على أن الغنى أو الثروة بذاتها لا تؤدي إلى الطُّغيان.

وهذا ما أشار إليه الإمام ابن القيم رحمه الله بقوله:"فهو غني به وبحبه"

(1) انظر، ابن رشد، الضروري في السياسة، ص331.

(2) سورة العلق/6 - 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت