فهرس الكتاب
ومعرفته وقربه منه عن كل ما سواه، وهو فقير إليه دون ما سواه، فهذا هو البريء عن رؤية الملكة الموجبة للطغيان كما قال تعالى: (كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) ولم يقل: إن استغنى بل جعل الطُّغيان ناشئًا عن رؤيته غنى نفسه، ولم يذكر هذه الرؤية في سورة الليل، بل قال: {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [1] ، وهذا والله أعلم لأنه ذكر موجب طغيانه وهو رؤية غنى نفسه، وذكر في سورة الليل موجب هلاكه، وعدم تيسيره لليسرى وهو استغناؤه عن ربه بترك طاعته وعبوديته" [2] ."
والثروة تعتبر وسيلة لتمكين الطُّغيان في الواقع، وتنفيذ السياسات الظالمة القائمة على القمع والإجبار، فها هو موسى - عليه السلام - يلفت الأنظار إلى ثروة فرعون وملئه، ودورها في طغيانهم وترسيخ الضلال بين الرَّعيَّة، قال تعالى: {وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [3] .
وإذا وصل الإنسان إلى هذه الحالة فإنه يوظف تلك الأموال في سبيل ممارسة طغيانه وتثبيته، قال تعالى حكاية عن فرعون: وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ
(1) سورة الليل/8 - 10.
(2) ابن القيم، محمَّد بن أبي بكر (ت751هـ) ، طريق الهجرتين وباب السعادتين، تحقيق: عمر بن محمود أبو عمر (الدمام: دار ابن القيم، ط2، 1414هـ، 1994م) ، ج1، ص32.
(3) سورة يونس/88.