الصفحة 159 من 384

وأن صاحب هذا الاتباع ليس له شخصية حقيقية.

وقد أهملت الآية ذكر الملأ أو البطانة في القيامة لأنهم لم يكونوا إلا أفرادًا أذلاء، وأن فرعون كان هو الحاكم الفعلي والحقيقي، لذا فليس لها إلا الاقتحام في صفوف العامة والسير وراء الطَّاغية إلى جهنم حين يجتمع الطُّغاة ولأول مرة وفي أكبر حفل من نوعه، ولكن ليس لتبادل الخبرات والمعلومات ووضع الخطط المشتركة لمكافحة المصلحين والدُّعاة، وإنما لينالوا حق طغيانهم وظلمهم وتجبرهم.

بل إن بعض الآيات القرآنية أهملت حتى تسميتها بالملأ أو بأي اسم آخر وسماها بـ (من حول الملك) ، وفي هذا تهميش لها ولدورها، قال تعالى عن فرعون: {قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ} [1] فظهر جليًا أن دور البطانة هنا لا يتجاوز دور الحراس أو الكراسي المحيطة بالحاكم للزينة والديكور، وأن كل ما عليها إنما هو تزيين مجلس الطَّاغية بالجلوس حوله، والاستماع إليه، وتحريك الرأس والعينين كلما نطق الحاكم، والتصفيق له والنداء باسمه. بل كما يظهر من الآية فإنه لا يحق لها في أغلب الأحيان حتى السخرية والاستهزاء بالمعارضة إلا أن يأذن لها الطَّاغية، وبنبرة تفهم منها أنه الآن يحق لها المشاركة في الاستهزاء بالمعارضة (أَلَا تَسْتَمِعُونَ) ؟ فعليهم الاستماع لا أكثر، أما أن يقول لهم الطَّاغية وعلى وجه الحقيقية: ماذا تقولون؟ فهذا ما لا مكان له في مجلس الطَّاغية.

يقول الكواكبي:"المستبد لا يستغني عن أن يستمجد بعض أفراد من"

(1) سورة الشعراء/25.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت