فهرس الكتاب
ثم أرسل إلى الفرعون الذي بعده. كل هذه التفاصيل لم يذكرها القرآن الكريم مع أن نموذج الطَّاغية فرعون هو النَّموذج الوحيد المفصل فيه إلى حد كبير، لأن الهدف من ذكر القصة إنما هو بيان الظاهرة وآثارها الخطيرة والمدمرة على الأمم.
وقد اختلف المؤرخون قديمًا وحديثًا في تحديد اسم فرعون موسى، وكذا فيما إذا كان هناك فرعون واحد أو فرعونان، وقد انتقل ذلك الخلاف إلى المفسِّرين أيضًا عند تفسيرهم للآيات التي تناولت قصة فرعون. فهناك من ذهب إلى التصريح بأنه كان هناك فرعون واحد أمثال الإمام ابن كثير من المفسِّرين القدامى [1] ، ومحمَّد رشيد رضا من المتأخرين [2] . في حين ذهب آخرون إلى القول بأنه كان هناك فرعونان، فرعون تربى موسى - عليه السلام - في بيته، وفرعون أرسل إليه موسى، من هؤلاء الإمام الطبري من القدامى [3] ،
(1) استشهد بقوله تعالى: (قال ألم نربك فينا وليدًا ولبثت فينا من عمرك سنين) ، سورة الشعراء/18. فقال:"وهذا يدل على أن فرعون الذي بعث إليه هو الذي فر منه، خلافًا لما عند أهل الكتاب من أن فرعون الذي فر منه مات في مدة مقامه بمدين، وأن الذي بعث إليه فرعون آخر". ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل، قصص الأنبياء، تحقيق: محمَّد أحمد عبدالعزيز (القاهرة: دار الحديث، د. ط. ت) ، ص280. في حين يتحدث غالبية المفسِّرين القدامى عنه باعتباره واحدًا حيث لا يشيرون إلى أي خلاف في العدد، ما عدا الخلاف في اسم فرعون. وسواء كان موسى عليه السلام قد عاصر فرعونًا واحدًا أو اثنين فالأمر سيان لأن الهدف من القصة في القرآن ليس السرد التاريخي التفصيلي، وإنما كما سلف أخذ العظة والاعتبار. ولو كان في معرفة ذلك فائدة لبينه القرآن.
(2) حيث يقول:"والمرجح عند المتأخرين من المؤرخين الواقفين على العادات المصرية أن فرعون موسى هو الملك (منفتاح) ، وكان يلقب بسليل الإله (رع) ..". انظر، رضا، تفسير المنار، ج9، ص80.
(3) يقول الإمام الطبري رحمه الله:"وكان فرعون مصر في أيامه قابوس بن مصعب بن معاوية صاحب يوسف الثَّاني، وكانت امرأته آسية ابنة مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد فرعون يوسف الأول، فلما نودي موسى أعلم أن قابوس بن مصعب قد مات، وقام أخوه الوليد بن مصعب مكانه، وكان أعتى من قابوس وأكفر وأفجر، وأمر بأن يأتيه هو وأخوه هارون بالرسالة". انظر، الطبري، ابن جرير (ت 310هـ) ، تاريخ الطبري تاريخ الأمم والملوك (بيروت: دار الكتب العلميَّة، ط1، 1407هـ) ، ج1، ص231.