فإذا استطاعا التوفيق فيها ونعمت إلا فإن لهما من السلطة والصلاحية أن يفعلا ما فيه المصلحة حتى لو كانت المصلحة في الطلاق فلهما ذلك إذا قد يكون الشقاق من الخطورة بحيث يحول الحياة إلى جحيم لا يطاق وتصبح الحياة بؤرة للكيد فيتفنن كل طرف كيف يؤذي الطرف الأخر ويضايقه وعندئذ تكون الفرقة خيرًا من هذه الحياة التعصة المحطمة (وإن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًاّ مِّن سَعَتِهِ وكَانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا) .
4 -وحين تصل قافلة الحياة الزوجية إلى هذا الحد وتقع الفرقة فإن الأمل لا ينقطع تماما ولكنه بمثابة الصدمة الكهربية التي تنبه الطرفين إلى مدى الخطر الذي ترديا فيه فبعد هذه الصدمة تهدأ العاصفة وتخمد الثورة وعندئذ يستطيع كل واحد منهما مراجعة نفسه وتحسيس مواقع أقدامه وأن يتبين مقدار الخسارة أو الربح الذي جناه أو عاد إليه من تصرفاته السابقة.
فإذا أوضحت النتيجة واستبان الموقف فإن الفرصة لا تفوت إذ من حق الزوج أن يراجع زوجته في مدة العدة وبدون رضاها وليس هذا الحق مطلقا دون حد بل هو محدد بمدة معلومة هي العدة فإذا انتهت العدة ينقلص هذا الحق فبعد أن كان حقًا خالصًا للزوج يصبح حقًا لهما معًا فإنه لا يستطيع أن يردها إلا بإذنها ورضاها وعقد ومهر جديدين.
5 -فإذا عادت الحياة إلى مجاريها فإنها لن تتحمل مثل هذا الموقف إلا مرة واحدة أخرى بعد أن تمر بكل المراحل السابقة وبعدها فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. فإن طلقها الثالثة (فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) .
وهكذا نرى التشريع الإسلامي لا يلجأ إلى الطلاق إلا حين يكون علاجا للمشاكل التي استعصى حلها وليس لها من علاج غيره، ولذا نرى أن بعض العلماء يذهبون إلى أن لا أصل في الطلاق الحظر ولا يجوز إلا لحاجة لأن الله تعالى يقول: (فَإنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا) والطلاق بدون حاجة تدعوا إليه بغى وظلم والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (أبغض الحلال إلى الله الطلاق) ولأن الزواج نعمة من الله والطلاق بدون حاجة داعية إليه كفران لهذه النعمة.
ويبقى بعد ذلك سؤال. هو بعد كل هذه المراحل هل يتلهف التشريع الإسلامي على إحداث هذه الفرقة ويتصيد المواقف ليهدم هذا العش؟ أم أنه وضع لذلك الضوابط وحد لذلك الحدود؟ من ذلك اختلاف العلماء في الطلاق الثلاث بكلمة واحدة هل يعتبر ثلاثًا فتطلق الزوجة ولا تحل لزوجها إلا بعد أن تنكح زوجا غيره أم أنه يحتسب طلاقا واحدًا أو لا يحتسب شيئًا أصلا؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه في الصفحات التالية.
6 -تعريف الطلاق: الطلاق في اللغة حل الوثاق مشتق من الإطلاق وهو الإرسال والترك. يقال فلان طلق اليد بالخير أي كثير البذل، وطلق لسانه فهو طلق اللسان وطليقه أي فصيح عذب المنطق وطلقت المرأة فهي مطلوقه إذا أخذها المخاض وهو وجع الولادة.