الصفحة 274 من 309

أنا شابّ أبلغ من العمر ثماني عشر عامًا ، نشأت في عائلة ذات دين ، لكنّه دين التقليد والخرافة ، أحببت منذ الصغر قراءة القرآن وحفظه ، والسير على ما سار عليه الآباء والأجداد ، فلقد كانوا - هداهم الله - علي شيء بعيد عن الإسلام من عبادة الأوثان - أعني الأولياء المزعومين - والتبرّك بالقبور وأهلها وأحفادهم ، حتّى إنّنا لنعظّمهم أكثر من أيّ شيء ، وخوفنا منهم أكثر من خوفنا من ربنا ، وقسمنا بهم أكثر من قسمنا بربّنا ، فقد علّمنا آباؤنا أنّنا إذا مررنا بأحفاد هؤلاء ولم نقبّل أيديهم أو نسلّم عليهم فكأنّنا قد حرمنا القرب من الله ، أمّا زيارة قبور الأولياء (1) . والبكاء عليها فأمر لا بدّ منه ، فإذا كان يوم زيارة قبر ذلك الوليّ لبسنا له أحسن الثياب وتطيبنا ، وتنظّفنا ، وذهبنا نبكي عند ذلك القبر بكاء لا نبكيه عند سماع آيات القرآن العظيم، فكنّا نعظّم ذلك الوليّ أكثر من آبائنا و مشايخنا ، بل إنّ علماءنا - علماء السوء - كانوا يشجّعوننا على القيام بمثل هذه الأعمال ، لاعتقادهم بأنّ هؤلاء الأولياء هم سبب توفيقنا للطاعة ، وثباتنا عند السؤال في القبر ، ودفع البلاء عنّا وكلّ مفسدة ، وجلب كلّ مصلحة (!) ، فكنّا نتكلّم بسبّ الإله ولا نبالي لأنّ الله سيغفر لنا ، لكن لا نجرؤ أن نتكلّم عن أوليائنا (!) بما هو فيهم ، حتّى إنّ الشيطان زيّن لي ذلك ، وأصبحت من كثرة تعظيمي لهؤلاء الأولياء أرى نفسي بأنّني قد وصلت إلى مرتبة الولاية ، بل إنّني حدّثت نفسي يومًا من الأيّام: من أنا ؟ فكان الشيطان - لعنه الله - يجيبني بأنّي أحد الأنبياء المقرّبين، فكنت حين أسمع صفات

(1) - لا يمكن القطع بأنّ فلانًا من الناس وليّ من أولياء الله - لا سيّما في العصور المتأخّرة - ، إذ إنّ علم ذلك إلى الله وحده ، وكم سمعنا عن أولياء مزعومين يُطاف على قبورهم (1) وهم من أفجر خلق الله ، وأبعدهم عن دين الله ومن تأمل ذلك ظهر له الأمر جليًّا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت