ومن حيث أنه أنكر إجماع الصحابة على وجوب نصب الإمام, وعلى أنه لا بد للأمة ممن يقوم بأمرها في الدين والدنيا. وقال إنه يقف في ذلك في صف جماعة غير قليلة من أهل القبلة, يعني بعض الخوارج والأصم, وهو دفاع لا يبرئه من أنه خرج على الإجماع المتواتر عند المسلمين. وحسبه في بدعته أنه في صف الخوارج, لا في صف جماهير المسلمين...
ومن حيث أنه أنكر أن القضاء وظيفة شرعية, قال إن الذين ذهبوا أن القضاء وظيفة شرعية, جعلوه متفرغًا عن الخلافة, فمن أنكر الخلافة أنكر القضاء..
وكلامه غير صحيح, فالقضاء ثابت بالدين على كل تقدير, تمسكًا بالأدلة الشرعية التي لا يستطاع نقضها...
ومن حيث أنه زعم أن حكومة أبي بكر, والخلفاء الراشدين من بعده, رضي الله عنهم, كانت لا دينية, وهذه جرأة لا دينية ودفاع الشيخ علي بأن الذي يقصده من أن زعامة أبي بكر لا دينية, أنها لا تستند إلى وحي, ولا إلى رسالة, مضحك موقع في الأسف, فإن أحدًا لا يتوهم أن أبا بكر رضي الله عنه, كان نبيًا يوحى إليه, حتى يعنى الشيخ علي بدفع هذا التوهم..
ولقد بايع أبا بكر رضي الله عنه, جماهير الصحابة من أنصار ومهاجرين, على أنه القائم بأمر الدين في هذه الأمة بعد نبيها محمد - صلى الله عليه وسلم -..
وإن ما وصم به الشيخ علي أبا بكر رضي الله عنه, من أن حكومته لا دينية, لم يقدم على مثله أحد من المسلمين.. فالله حسبه, ولكن الذي يطعن في مقام النبوة, يسهل عليه كثيرًا ان يطعن في مقام أبي بكر وإخوانه الخلفاء الراشدين, رضي الله عنهم أجمعين.
هذه خلاصة الحيثيات التي بنت عليها هيئة كبار العلماء حكمها السالف الذكر, ولما كان الحكم قد صدر في شهر أغسطس, أي في وقت الصيف حيث كانت دار المندوب السامي خالية من كبار رجالها, لم يستطع هؤلاء أن يعملوا شيئًا لإنقاذ الشيخ علي وبخاصة بعد صدور حكم هيئة كبار العلماء, وثورة الرأي العام ضد المؤلف فتخلوا عنه كما هي عادتهم في مثل هذه الظروف, وبذلك فصل من وظيفته, وقد كشفت صحيفة (ليفربول بوست) البريطانية عن هذه القبائح والمنكرات التي دبرها الاستعمار الريطاني, واتخذ علي عبد الرازق وسيلة لتنفيذها, تعاونه طغمة من حزب الأحرار الدستوريين, نشرت الصحيفة المذكورة في 13 أغسطس سنة 1925 مقالا جاء فيه (... ولما عجز الأزهر عن حمل الحكومة على محاكمة الشيخ عبد الرازق, أصدر قرارا بفصله من زمرة العلماء(1) ...
(1) عن الملل والنحل للشهرستاني.