إن الله امتنّ على المؤمنين بأن جعل لهم هذا الإسلام الذي فيه الرعاية والحماية والأمان. وذكَّر الكافرين بنعمته عليهم في الأمن بمكة. {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} (القصص: من الآية57) . فهكذا كان الدين مساندًا ورافدًا ومقيمًا للأمن. {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} (العنكبوت: من الآية67) . {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} (قريش:3 - 4) وما يصيب الناس من مصيبةٍ فيها خوفٌ فبما كسبت أيديهم. ولذلك قال سبحانه وتعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَاتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} (النحل:112) .
عباد الله!
بالأمن تستقيم المصالح. وباستتبابه والقضاء على المفسدين والقضاء على المنافقين والقضاء على الذين يروّعون الناس فيه المصلحة العظيمة. وانظر إلى ما حصل بعد صلح الحديبية لما أمِنَ المسلمون. لقد أرادت قريشٌ أن تُقلِقَ أمن المسلمين في المدينة، فجّيشت الجيوش في بدرٍ وأحد والخندق. محاولات متكررة لاجتثاث المسملين والقضاء عليهم. كان المسلمون مشغولين بمدافعة قريش وكفّار العرب. في هذه المدّة. في هذه المرحلة الحرجة. في أول إقامة المجتمع المسلم بالمدينة. فلمّا جاء النصر العظيم، والفتح المبين بصلح الحديبية الذي كان يظنه بعض المسلمين شرًا، إذا بالأمن يكون سببًا عظيمًا في انتشار الدين. لقد حملت تلك المعاهدة في طياتها التمكين للدعوة. وانطلق دعاة الإسلام في أرجاء جزيرة العرب يجوسون خلال الديار، وفي قبائل أولئك القوم يدعون إلى الله، ويبيّنون للناس محاسن دين الله. إلى التوحيد. إلى الأمن الذي جاء به الإسلام.
وهكذا انتشر الإسلام بعد صلح الحديبية انتشارًا لم يحصل لا في المرحلة المكية ولا في بدرٍ وقبلها وبعدها وأُحُد والخندق. انتشر انتشارًا عظيمًا. والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا مكة بعشرة آلاف مقاتل. فمن أين جاؤوا؟ من أين جاء هذا العدد الكبير؟ وحجّ بعد ذلك بمائة وأربعة وعشرين ألفًا من الناس. من أين جاؤوا؟ دخل الناس في دين الله أفواجًا. لما أُطيح بأصنام الكفر ومعقل الشرك. لما تهاوت معاقل الشرك. لما تهاوت أصنام المشركين. لما سقطت هذه الأوكار الخبيثة للمشركين بأيدي عباد الله الموحدين انجلت الغُمّة، وقطع رأس أفعى الشرك في جزيرة العرب. فاستتبّ الأمن. والنبي عليه الصلاة والسلام بيّن أنها لم تحل له إلا ساعةً من نهار. فقط! ساعة! ساعة للمصلحة العظيمة بعد ذلك باستتباب الأمن. فانظروا إلى غرض القتال في الإسلام، وكيف يكون شرعيًا، وكيف يكون له أهداف واضحة، وأغراض صحيحة. وليس عبثيًا. إن مسألة التفجيرات العشوائية التي تأخذ بمداها، ونصف قطرها الأعداد من الناس الصغير والكبير والبرّ والفاجر والمسلم والكافر والذكر والأنثى والذي يستحقّ القتل والذي لا يستحقُّه هكذا، هكذا فوضى إنه ليس من دين الله أبدًا. أنت تلاحظ الدقّة عندما كان المسلمون يتبيّنون. {وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا} (النساء: من الآية94) . نزلت آيات ومواقف في جرأة بعض المسلمين على القتل.