نفرح بإقبال الطلاب على المساجد في هذه الأيام، واللّجوء إلى الله في وقت الشدة بادرةٌ طيبة، ودليلٌ على وجود أصل الخير في أبنائِنا. ومن الحكمة أن نرحّب بهم وأن نظهر سرورنا بهذا. وأن نستثمرها فرصةً للتأكيد على أن طاعة الله ليست موسميّة، وأنها دائمة في حياة العبد. لأن العبد لله لا يفتُرُ عن عبادة مولاه، وطاعة سيده. فهو دائم العمل، دؤوب في سبيل مرضاته سبحانه. {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ} (الحجر:99) . كان عليه الصلاة والسلام يداوم على العمل.
عباد الله!
وتنتهي الامتحانات والاختبارات وتبدأ بعضها قضيةٌ كبيرة لمعالجة الإجازة والوقت. والله تعالى ما خلق الجن والإنس إلا ليعبدوه. يريدها سبحانه وتعالى حياةً مستمرةً في طاعته. {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} (الأنعام:162 - 163) . وأمامنا بعد الامتحانات مشروعٌ كبيرٌ جدًا وضخم للغاية؛ وهو استثمار هذه الأوقات. وهذه الإجازة على مشارف رمضان. تنتهي ورمضان على الأبواب. ومعنى ذلك أننا ينبغي أن نؤكِّد فيها على تحقيق معاني الطاعة. والاستعداد لاستقبال الشهر الكريم. وإذا كان السلف يستعدون لرمضان قبل مجيئه بوقتٍ طويل، فحريٌ بنا أن نقتدي نحن بهم، وألا نعجّل بالسيئات والمعاصي مكنوزةً في هذه الإجازة قبل رمضان كما يحلو لبعض الناس أن يفعل.
أمامك يا عبد الله مشروعٌ مهم. وأنت في إدارة هذا المشروع وليُّ الأمر والقائم على أولادك ورب الأسرة والراعي والمسؤول أمام الله. كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤولٌ عن رعيته. أمامك عنصرٌ بشري. طاقات بشرية للتطوير والتدريب. محل العمل للمشروع القادم هو النفوس. ليست القضية الآن تنمية أموال أصلًا ولا عمارة أحجار ولا زراعة أشجار. الدرجة الأولى أمامك تطوير العنصر البشري والطاقة البشريّة التي هي تحت رعايتك ومسؤوليّتك. هنالك أوقات. كم طالب؟ ملايين من الذكور والإناث. ملايين. ستة ملايين. إذا تعطّلت المدارس، فكم ساعة لديهم في اليوم؟ وقد كانت الدراسة تشغلهم في ذهابهم إلى المدارس ومذاكرتهم وامتحاناتهم شيئًا ما. وأمامك هذا الفراغ اليوم الذي لا يقل عن عشر ساعاتٍ في اليوم. أكثر. في ستة ملايين. ستين مليون ساعة يوميًا في ثلاثة أشهر إلى أربعة. ملايين الملايين من الساعات. كيف ستُقضى؟ وماذا سينتج خلالها؟ بعض الناس سينتج عندهم ازدياد في المخدرات والمسكرات والفواحش والأسفار المحرّمة والتخريب والعقوق والإيذاء والصفق في الأسواق المركزية والشوارع. يطوفون بينها وبين حميمٍ من ألوان الفساد. وإيذاء عباد الله والتمرد على شرعه ومعصية أحكامه ومشاهدة المحرمات وسماع المحرمات واستعمال المحرمات وغشيان المحرمات. ومنهم من سيذهب وقتُه هدرًا في نومٍ متواصل وسهرٍ بلا فائدة وإضاعة الأوقات في الألعاب الإلكترونية وما يحصل به ضمور الأعصاب والعضلات والعقل.