فهرس الكتاب
من معاني الزكاة البركة والنماء، فإن من عقوبة منعها منع المطر الذي تنمو به الخيرات، وتخرج الأرض بركتها، ومن عقوبتها - أيضا - أن يبتلى الناس بالسنين وهي الجدب والقحط، فلما منعوا فضول أموالهم؛ شدد الله عليهم في أرزاقهم، قال ابن القيم رحمه الله: (وتأمل حكمة الله في حبس الغيث عن عباده وابتلائهم بالقحط إذا منعوا الزكاة وحرموا المساكين؛ كيف جوزوا على منع ما للمساكين قِبَلَهم من القوت بمنع الله مادة القوت والرزق وحبسها عنهم، فقال لهم بلسان الحال: منعتم الحق فمنعتم الغيث، فهلا استنزلتموه ببذل ما لله قِبَلكم) . [1]
يدل لذلك ما رواه الحاكم في مستدركه عن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (ما نقض قوم العهد قط إلا كان القتل بينهم، ولا ظهرت الفاحشة في قوم قط إلا سلط الله عليهم الموت، ولا منع قوم الزكاة إلا حبس الله عنهم القطر) . وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. [2]
وورد عند الطبراني بلفظ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (ما منع قوم الزكاة إلا ابتلاهم الله بالسنين) . [3] وأخرجه المنذري في الترغيب و الترهيب وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورواته ثقات والحاكم والبيهقي في حديث إلا أنهما قالا: (ولا منع قوم الزكاة إلا حبس الله عنهم القطر) . وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم، ورواه ابن ماجه والبزار والبيهقي من حديث ابن عمر .. [4]
وعن عبد الله بن عمر أن رجلا قال للنبي - صلى الله عليه وسلم: (أي المؤمنين أفضل؟ قال أحسنهم خلقا. قال: فأي المؤمنين أكيس؟ قال أكثرهم للموت ذكرا، وأحسنهم له استعدادا؛ أولئك الأكياس، ثم قال النبي - صلى الله عليه وسلم: خمس خصال يا معشر المهاجرين! أن تنزل بكم، أعوذ بالله أن تدركوهن، لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا إلا فشا فيهم الطاعون، والأوجاع التي لم تكن فشت في أسلافهم، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين، وشدة المؤونة، وجور السلطان عليهم، وما منعوا زكاة أموالهم إلا منعوا المطر، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم يحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخذوا فيما أنزل الله إلا جعل بأسهم بينهم) . [5]
فهذه الأحاديث دالة على أن الأمة إذا منعت الزكاة منعت القطر، وإذا منعت حق الضعيف منعها الله سبب الخير والنماء.
(1) مفتاح دار السعادة 1/ 315.وفي هذه الصفحة وما بعدها أورد المؤلف رحمه الله وقفات جميلة في بيان التناسب بين الذنوب والعقوبات الإلهية.
(2) المستدرك على الصحيحين ج:2 ص:136، وشعب الإيمان للبيهقي 3/ 196.
(3) المعجم الأوسط ج:7 ص:40.
(4) الترغيب والترهيب 1/ 309.
(5) شعب الإيمان ج:7 ص:351. والمستدرك 4/ 583،كما أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد عن عطاء عن ابن عمر 5/ 317. وسنن ابن ماجه 2/ 1332. والاستذكار 5/ 94.