فهرس الكتاب
فيهم الفقر. ولا ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت. ولا طففوا المكيال إلا منعوا النبات، وأخذوا بالسنين. ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر). [1]
ففي هذه الأحاديث رتب الشارع أنواعا من العذاب على نقض العهد؛ ففي حديث ابن عباس رضي الله عنهما ورد الوعيد بتسليط العدو على الأمة إذا نقضت العهد، ولم يرد ما نوع هذا التسلط، وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما جاء التهديد بأن يسلط العدو على الأمة، فيأخذ بعض ما في أيديها، وفي حديث بريدة ورد التخويف بانتشار القتل فيما بينهم.
فقد يقول قائل: فما المراد بالعهد الذي ورد بشأنه ما ورد من الثناء لمن وفى به، والنكال لمن نقضه؟
وقبل الحديث عن نقض العهد، يناسب أن نتعرف على معنى العهد لغة واصطلاحا.
فأما معناه لغة، فقد عرفه الرازي في مختار الصحاح بقوله: (العهد: الأمان، واليمين، والموثِق، والذمة، والحِفَاظُ، والوصية، و عهد إليه من باب فهم، أي أوصاه، ومنه اشتق العهد الذي يكتب للولاة.) [2]
ومعناه اصطلاحا: (العهد: حفظ الشيء ومراعاته حالا بعد حال. هذا أصله ثم استعمل في الموْثِق الذي تلزم مراعاته.) [3]
وقال ابن منظور: (العهد كل ما عوهد الله عليه، وكل ما بين العباد من المواثيق فهو عهد، وأمر اليتيم من العهد، وكذلك كل ما أمر الله به في هذه الآيات، ونهى عنه.) [4]
وأورد الراغب الأصفهاني في مفرداته معنى العهد، ثم بين معاني العهد في القرآن الكريم فقال: (العهد: حفظ الشيء ومراعاته حالا بعد حال، وسمي المَوثِق الذي يلزم مراعاته عهدا ... وعهد الله تارة يكون بما ركزه في عقولنا، وتارة يكون بما أمرنا به في الكتاب وبألسنة رسله، وتارة بما نلتزمه وليس بلازم في أصل الشرع كالنذور) . [5]
وبعد هذا البيان لمعناه اللغوي والاصطلاحي، يحسن بنا أن نتعرف على ما قاله المفسرون في معنى العهد في القرآن الكريم، وما المراد به؟.
اختلف المفسرون في معنى العهد في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِه} [6] كما أنهم ـ أيضا ـ لم يتفقوا على معنى العهد في الآيات الأخرى؛ فمنهم من قال: إن معنى العهد في قوله تعالى:
(1) المعجم الكبير 11/ 45.
(2) مختار الصحاح، مادة عهد.
(3) التعريفات 1/ 204.
(4) لسان العرب 3/ 311.
(5) المفردات في غريب القرآن، مادة عهد، ص350.
(6) سورة البقرة الآية 27.