فهرس الكتاب
ابتداعه أولا، ثم عمله ثانيا. وإذا ثبت أن كل بدعة تبتدع فلا تزداد على طول الزمان إلا مضيا حسبما تقدم، واشتهارا وانتشارا؛ فعلى وزان ذلك يكون إثم المبتدع لها، كما أن من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة - وأيضا - فإذا كانت كل بدعة يلزمها إماتة سنة تقابلها، كان على المبتدع إثم ذلك أيضا، فهو إثم زائد على إثم الابتداع؛ وذلك الإثم يتضاعف تضاعف إثم البدعة بالعمل بها؛ لأنها كلما تجددت في قول أو عمل تجددت إماتة السنة كذلك) [1] .
والقرآن الكريم يدل على أن على مبتدعها إثم من عمل بها إلى يوم القيامة قال تعالى: {لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ} [2] ، فهم يحملون وزر الضلال والإضلال، ويدل لذلك - أيضا - قوله عليه الصلاة والسلام: (ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء) . [3]
ولما كان الإحداث في الدين والابتداع بهذه الهوة السحيقة من الضلال والهلاك فقد حذر منه الشارع أيما تحذير، وتوعد عليه بالعقوبات العاجلة والآجلة، ومن هذه العقوبات ما يلي:-
1 -أن يسلط الأشرار على الأخيار فيسومونهم سوء العذاب، كما روى أبو مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (لا يزال هذا الأمر فيكم وأنتم ولاته ما لم تحدثوا أعمالا تنزعه منكم، فإذا فعلتم ذلك؛ سلط الله عليكم شرار خلقه فالتحوكم كما يلتحى القضيب) .قال الحاكم في المستدرك هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. [4]
وقال ابن منظور: (هو من لحوت الشجرة إذا أخذت لحاءها وهو قشرها ... واللحاء ما على العصا من قشرها، ولحاء كل شجرة قشرها، واللحاء: قشر كل شيء، ولحوت العود ألحوه، وألحاه إذا قشرته، والتحيت العصا، ولحيتها التحاء ولحيا إذا قشرتها) . [5]
2 -اللعن، وألا يقبل منه صرف ولا عدل، فقد أخرج البخاري ومسلم عن علي رضي الله عنه قال: (ما عندنا شيء إلا كتاب الله وهذه الصحيفة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة حرم ما بين عائر إلى كذا، من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل) . [6]
(1) الاعتصام 1/ 122.
(2) سورة النحل الآية25.
(3) صحيح مسلم 2/ 705 ح 1017.
(4) المستدرك 4/ 548، والمسند1/ 458، 5/ 247، ومسند الربيع 1/ 38.ومصنف ابن أبي شيبة 7/ 526،والمعجم الأوسط 8/ 239،والمعجم الكبير17/ 262، ومسند الطيالسي1/ 86، ومسند أبي يعلى8/ 438. وقال الهيثمي في المجمع: رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح. 5/ 193.
(5) لسان العرب، مادة لحا 15/ 242،241.
(6) صحيح البخاري ح 1771، 2/ 661، واللفظ له، وصحيح مسلم ح 1366، 2/ 994.