فهرس الكتاب
اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها. قالت زينب بنت جحش: فقلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟. قال: نعم إذا كثر الخبث!!) [1] وقد سئل ابن وهب عن قوله في هذا الحديث: إذا كثر الخبث. فقال: أولاد الزنى. [2]
وأخرج ابن عبد البر في الاستذكار من طريق منذر الثوري عن الحسن بن محمد قال حدثتني امرأة من الأنصار قالت دخلت على أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - فبينا أنا عندها إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فتكلم بكلام لم أفهمه، فسألت أم سلمة بعد خروجه، فقالت: (إن الفساد إذا فشا في الأرض ولم يتناه عنه أرسل الله بأسه على أهل الأرض. قالت: قلت يا رسول الله! وفيهم الصالحون؟ قال: نعم، وفيهم الصالحون، يصيبهم ما أصابهم، ويقبضهم الله إلى رحمته ورضوانه ومغفرته.) [3]
وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: (كان يقال: إن الله تبارك وتعالى لا يعذب العامة بذنب الخاصة، ولكن إذا عمل المنكر جهارا استحقوا العقوبة كلهم) . [4]
فلما شاع فيهم الذنب ولم ينكروه، ولم تتمعر وجوههم من رؤيتهم له؛ عمهم العذاب، واستحقوا مقت الله وعذابه.
ثالث عشر: الكذب
الكذب خلة ذميمة، لا يلجأ إليه ويتحراه إلا من ضعف دينه، وقلّ عقله، وما ذاك إلا لأن الكاذب لا يكذب إلا لينال من خلاله مطمعا، أو ليدفع عنه مزعجا، أو ليستر به نقصا، ويواري به ضعفا، ولو كمل إيمانه، وتم له عقله؛ لأيقن أن الله قد كتب كل شيء وقدره، فلن يستجلب العبد بالكذب مالم يقدر له، ولن يدفع عن نفسه بالكذب ما قدر عليه، ولن ينال به حمدا، ولن يدفع به ذما؛ بل هو طريق يستجلب به العبد سخط الله ومقته عليه.
وكلما كان الكذب أعظم أثرا، كانت عقوبته أكبر وأعظم، فأعظم الكذب الكذب على الله، حيث جعله الله أعظم من الشرك، فقال سبحانه وتعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} . [5]
(1) رواه البخاري في صحيحه، واللفظ له 3/ 1221، ح3168, ومسلم 4/ 2007، ح 2880.
(2) الاستذكار 8/ 583.
(3) الاستذكار 8/ 583.
(4) الموطأ 2/ 991.
(5) سورة الأعراف الآية 33.