فهرس الكتاب
الاختلاف في شدة السم أو العلم به:
عن اختلف الساقي وأهل المجني عليه في تأثير السم في قتله نظرنا: فإن أتى ببينة تثبت قوله عمل بها.
وإن قال أهل المعرفة: أن هذا القدر من السم يقتل النضو الضعيف دون القوي، أو غير هذا، عمل على حسب ذلك.
فإن لم يكن مع أحدهما بينة فالقول قول الساقي، لأن الأصل عدم وجوب القصاص، فلا يثبت بالشك، ولأنه أعلم بصفة ما سقى. [1]
أما إن ثبت أن السم الذي سقاه المجني عليه قاتل، وادعى الجاني أنه لم يكن يعلم تأثيره بالموت، وقال: لم أعلم أنه سم، أو لم أعلم أنه يقتل غالبا، فهل يصدق في ادعائه، قولان عند الشافعية [2] ، ووجهان عند الحنابلة [3] .
الأول: لا يقبل قوله، وعليه القود، لأن السم من جنس ما يقتل به غالبا، فأشبه ما لو جرحه وقال لم أعلم أنه يموت منه.
الثاني: لا قود عليه، لأنه يجوز أن يخفي عليه أنه قاتل، وهذه شبهة يسقط بها القود.
قلت: والوجه الثاني لا يصح، إلا أن يكون الساقي ممن يجهل مثله ذلك السم، ولا توجد دلائل تشير إلى اتهامه، كما أنه لا يقبل قول مدعي جهل السم فيما اشتهر من أصناف قاتله في هذا العصر، تحذرنا الهيئات الصحية منها، حتى أصبحت معلومة من الواقع بالضرورة.
وقال الخطيب الشربيني [4] : والأوجه: ما قاله المتولي: أنه إن كان مما يخفى عليه ذلك صدق وإلا فلا.
المسألة الثامنة:
القصاص من شريك قاتل نفسه:
وصورة ذلك: أن يجرح نفسه عمدا ثم يجرحه غيره عمدا فيموت منهما، أو تعاطى سما ليموت ثم سقاه غيره سما آخر فيموت منهما.
فهل يجب على المشارك له قصاص؟ قولان:
الأول: لا قصاص وعليه نصف الدية.
وهو قول الحنفية [5] وأحد قولين عند المالكية [6] والحنابلة [7] وحجة هذا القول: أنه شارك من لا يجب القصاص عليه، فلم يلزمه قصاص كشريك الخاطئ، ولأنه قتل تركب من موجب وغير موجب فلم يوجب كالقتل الحاصل
(1) روضة الطالبين: 9/ 129، مغني المحتاج: 4/ 7، المغني والشرح الكبير: 9/ 331.
(2) روضة الطالبين: 9/ 130، مغني المحتاج: 4/ 7، المهذب: 2/ 177.
(3) المغني والشرح الكبير: 9/ 331.
(4) مغني المحتاج: 4/ 7، وقال الروياني فيما إذا قال: لم أعلم كونه قائلا أظهرهما لا يصدق فيجب القصاص ــ روضة الطالبين: 9/ 130.
(5) الاختيار: 5/ 28، مجمع الأنهر: 2/ 623.
(6) التاج والإكليل: 6/ 242.
(7) والوجهان عند الحنابلة ذكرهما أو عبد الله بن حامد ــ المغني والشرح الكبير: 9/ 381.